103 الفوائد المنتقاه من شرح مختصر صحيح مسلم

103 الفوائد المنتقاه من شرح مختصر صحيح مسلم

المقام في مسجد الشيخة /سلامة في مدينة العين

( ألقاه الأخ : سيف بن دورة الكعبي)

بالتعاون مع الإخوة في مجموعات السلام1،2،3 والمدارسة ، والاستفادة، وأهل الحديث همو أهل النبي صلى الله عليه وسلم

مجموعة حسين البلوشي .

———

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْدِلُ شَعَرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ فَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ متفق عليه.

——–

الحديث أخرجه أبوداود أيضا باب ما جاء في الفرق 4190 وقلنا في تخريجه ذكره الدارقطني في العلل 12/188 ورجح أنه عن مالك عن زياد بن سعد عن الزهري مرسلا،  وهذا تعليل إسناد،  وإلا حديثنا ثابت كما ترى من غير الطريق التي عليها الخلاف.

ثم أورد أبوداود 4191 :عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت إذا أردت أن أفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم –  صدعت الفرق من يافوخه وأرسل ناصيته بين عينيه

وهو في الصحيح المسند 1619،  وضعفه محققو المسند؛  وقالوا : فيه نكارة،  واختلف على محمد بن إسحاق،  وهو لا يتحمل مثل هذا الاختلاف،  ونقلوا عن الدارقطني؛  أن الوجهين محفوظين.

  • توضيح لمعنى الحديث:

يقول ابن عبد البر في التمهيد:

والناصية شعر مقدم الرأس كله وسدله تركه منسدلا سائلا على هيئته والتفريق أن يقسم شعر ناصيته يمينا وشمالا فتظهر جبهته وجبينه من الجانبين والفرق سنة مسنونة اهـ.

ويقول السندي في حاشيته على ابن ماجة:

وَالسَّدْل إِرْسَال الشَّعْر حَوْل الرَّأْس مِنْ غَيْر أَنْ يَقْسِمهُ نِصْفَيْنِ وَالْفَرْق أَنْ يَقْسِمهُ نِصْفًا عَنْ يَمِينه وَنِصْفًا عَنْ يَسَاره عَلَيْهِ وَكِلَاهُمَا جَائِز وَالْأَفْضَل الْفَرْق اهـ

يقول الشيخ عبد المحسن العباد في شرح سنن أبي داود:

والفرق: هو قسمة شعر الرأس من الوسط حتى يكون قسم منه على الجانب الأيمن وقسم على الجانب الأيسر، ويكون فيه خط في الوسط يقسم شعر الرأس إلى قسمين فتبدو من ذلك المكان جلدة الرأس؛ هذا هو الفرق. اهـ.

  • سبب موافقة النبي صلى الله عليه وسلم لهم في ذلك:

1_ يقول الطحاوي في مشكل الآثار:

وكان أهل الكتاب فيما كانوا يفعلونه في ذلك قد كان محتملا أن يكون كان ذلك منهم لشيء كانوا أمروا به في كتابهم فكان من سواهم من العرب إنما كانوا أهل أوثان وعبادة أصنام فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل مما ذكر في هذا الحديث ما كان أهل الكتاب يفعلونه فيه إذ كان قد يجوز أن يكون كان منهم لما قد ذكرناه اهـ.

وجاء في المنتقى شرح الموطأ:

قَالَ : عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إسْدَالُ الْقُصَّةِ يُرِيدُ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْهُ قُصَّةً فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ فَعَلَ ذَلِكَ – وَاَللَّهُ أَعْلَمُ – لِمُتَابَعَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسْدِلُونَ شُعُورَهُمْ وَكَانَ يُحِبُّ مُتَابَعَتَهُمْ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِمُخَالَفَةٍ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ – وَاَللَّهُ أَعْلَمُ – أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُغَيِّرُوهُ مِنْ شَرِيعَةِ أَنْبِيَائِهِمْ إمَّا بِوَحْيٍ ، أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ وَقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بِأَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ فَكَانَ يَتَّبِعُ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا طَرَأَ النَّسْخُ دَانَ بِمُخَالَفَتِهِمْ وَعَدَلَ إِلَى مَا أُمِرَ بِهِ فَلِذَلِكَ فَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بَعْدَ أَنْ سَدَلَ اهـ.

قال القاضي: وقال آخرون يحتمل أنه أمر باتباع شرائعهم فيما لم يوح إليه شيء وانما كان هذا فيما علم أنهم لم يبدلوه (شرح النووي على مسلم)

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح:لأن أهل الكتاب في زمانه كانوا متمسكين ببقايا من شرائع الرسل فكانت موافقتهم أحب إليه من موافقة عباد الأوثان، فلما أسلم غالب عباد الأوثان أحب صلى الله عليه وسلم حينئذ مخالفة أهل الكتاب. اهـ

2- كان ذلك لِتَأَلُّفِهِمْ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَة وهذا الاحتمال ذكره السندي من ضمن الأمور المحتملة.

حتى قال السندي: ( ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ )

كَلِمَة بَعْدُ تَأْكِيد لِمَا يُفِيدهُ كَلِمَة ثُمَّ أَيْ حِين اِطَّلَعَ عَلَى أَحْوَالهمْ فَرَآهُمْ أَبْغَض النَّاس وَأَنَّ التَّأَلُّف لَا يُؤَثِّر فِي قُلُوبهمْ  اهـ.

قال النووي قال القاضي واختلف العلماء في تأويل موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه شيء فقيل فعله استئلافا لهم في أول الاسلام وموافقة لهم على مخالفة عبدة الأوثان فلما أغنى الله تعالى عن استئلافهم وأظهر الاسلام على الدين كله صرح بمخالفتهم في غير شيء منها (شرح صحيح مسلم)

  • فوائد الحديث:

1- يقول الشيخ ابن عثيمين في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم }: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يتألف اليهود، والنصارى؛ والذي يحب أن يتألفهم يحب أن يرضوا عنه؛ فبين الله عزّ وجلّ أن هؤلاء اليهود والنصارى قوم ذوو عناد؛ لا يمكن أن يرضوا عنك مهما تألفتهم؛ ومهما ركنت إليهم بالتألف ــــ لا بالمودة ــــ فإنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنهَ عنه؛ ثم بعد ذلك كان يأمر بمخالفتهم.

2- في هذا الحديث من الفقه ترك حلق شعر الرأس وحبس الجمم. قاله ابن عبد البر في التمهيد.

3- وفيه دليل على أن حبس الجمة أفضل من الحلق لأن ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خاصته أفضل مما أقر الناس عليه ولم ينههم عنه لأنه في كل أحواله في خاصة نفسه على أفضل الأمور وأكملها وأرفعها صلى الله عليه وسلم. قاله ابن عبد البر في التمهيد.

4- وفيه أيضا من الفقه أن الفرق في الشعر سنة وأنه أولى من السدل لأنه آخر ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الفرق لا يكون إلا مع كثرة الشعر وطوله. قاله ابن عبد البر في التمهيد

5- وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يوافق أهل الكتاب إذا خالفوا عبدة الأوثان أخذا بأخف الأمرين، فلما فتحت مكة ودخل عباد الأوثان في الإسلام رجع إلى مخالفة باقي الكفار وهم أهل الكتاب قاله الحافظ في الفتح.

6- وفيه صفة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم قال العيني في شرح البخاري: مطابقته للترجمة من حيث إنه في الأخيرة فرق رأسه وهو صفة من صفاته اهـ

7- وقيل فيه أن شرع من قبلنا شرع لنا إن لم يخالف شرعنا وتعقب.

قال النووي رحمه الله:واستدل بعض الأصوليين بهذا الحديث أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه . وقال آخرون : بل هذا دليل أنه ليس بشرع لنا لأنه قال : يحب موافقتهم ، فأشار إلى أنه إلى خيرته ، ولو كان شرعا لنا لتحتم اتباعه .اهـ.

قلت سيف : وسيأتي التوسع في هذه المسألة في آخر البحث؛؛

قلت سيف :

ويمكن أن نضيف فوائد أخرى :

– شمولية دين الإسلام لحياة البشر.

– اختلاف أعراف الناس شيء كونِيٌّ، لأنه منوط بالزمان والمكان.

– التفريق بين سنن العادات والعبادات ووجوب رد ما أشكل إلى (الكتاب والسنة).

– الأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله تعالى.

——-

  • تشبه السلف بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر.

عن ابن القاسم عن مالك قال رأيت عامر بن عبدالله بن الزبير وربيعة بن أبي عبدالرحمن وهشام بن عروة يفرقون شعورهم وكانت لهم شعور وكانت لهشام جمة إلى كتفيه. (التمهيد)

عن الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر يعني الأثرم قال سألت أبا عبدالله يعني أحمد بن حنبل عن صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم فقال جاء في الحديث أنه كان إلى شحمة أذنيه وفي بعض الحديث إلى منكبيه وفي بعض الحديث أنه فرق قال وإنما يكون الفرق إذا كان له شعر قال وأحصيت عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كان لهم شعر فذكر منهم أبا عبيدة ابن الجراح وعمار بن ياسر والحسن والحسين وعن ابن مسعود أن شعره كان يبلغ ترقوته وأنه كان إذا صلى جعله وراء أذنيه.

  • إذا أصبح هذا الفعل من شعار الفساق أو ما شابه ذلك ؟

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد:

قال أبو عمر:

صار أهل عصرنا لا يحبس الشعر منهم إلا الجند عندنا لهم الجمم والوفرات وأضرب عنها أهل الصلاح والستر والعلم حتى صار ذلك علامة من علاماتهم وصارت الجمم اليوم عندنا تكاد تكون علامة السفهاء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من تشبه بقوم فهو منهم أو حشر معهم فقيل من تشبه بهم في أفعالهم وقيل من تشبه بهم في هيئاتهم وحسبك بهذا فهو مجمل في الإقتداء بهدى من الصالحين على أي حال كانوا والشعر والحلق لا يغنيان يوم القيامة شيئا وإنما المجازاة على النيات والأعمال فرب محلوق خير من ذي شعر ورب ذي شعر رجلا صالحا وقد كان التختم في اليمين مباحا حسنا لأنه قد تختم به جماعة من السلف في اليمين كما تختم منهم جماعة في الشمال وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم

الوجهان جميعا.

فلما غلبت الروافض على التختم في اليمين ولم يخلطوا به غيره كرهه العلماء منابذة لهم وكراهية للتشبه بهم لا أنه حرام ولا أنه مكروه وبالله التوفيق. اهـ.

  • من الأمور التي وافقهم النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر ثم تركه:

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:وكان الفرق آخر الأمرين، ومما يشبه الفرق والسدل صبغ الشعر وتركه كما تقدم، ومنها صوم عاشوراء، ثم أمر بنوع مخالفة لهم فيه بصوم يوم قبله أو بعده، ومنها استقبال القبلة، ومخالفتهم في مخالطة الحائض حتى قال: “اصنعوا كل شيء إلا الجماع” فقالوا: ما يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، وقد تقدم بيانه في كتاب الحيض، وهذا الذي استقر عليه الأمر. (الفتح)

  • ضابط التشبه بالكفار

وبما أن الحديث كان يخالفهم فنذكر هنا الضابط الذي به نعرف أن هذا التشبه محرم أم أنه ليس من التشبه

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

مقياس التشبه أن يفعل المتشبِه ما يختص به المتشبَه به، فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئاً من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهاً، فلا يكون حراماً من أجل أنه تشبه، إلا أن يكون محرماً من جهة أخرى. وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة. وقد صرح بمثله صاحب الفتح حيث قال (صــ272 ج10)”وقد كره بعض السلف لبس البرنس لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به. قيل: فإنه من لبوس النصارى، قال : كان يلبس هاهنا”. أ.هـ. قلت: لو استدل مالك بقول النبي، صلى الله عليه وسلم، حين سئل ما يلبس المحرم، فقال: “لا يلبس القمص، ولا السراويل، ولا البرانس” الحديث لكان أولى.وفي الفتح أيضاً (صـ307 جـ1): وإن قلنا : النهي عنها (أي عن المياثر الأرجوان) من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة. والله أعلم. أ.هـ.

وقال الشيخ سليمان الرحيلي حفظه الله:

وأقول : (مالا يفعله إلا الكفار بغير مقتضى الإنسانية) فإذا كان يفعلونه بمقتضى الإنسانية فإنه لا بأس أن نأخذه عنهم ، مثلًا : السيارات ، السيارات اختُرعت عند الكفار ، ويركبون السيارات بمقتضى حاجة الإنسان إلى ركوبها ، فنأخذ عنهم السيارات ، ونركب السيارات ، هذا بمقتضى الإنسانية ، هذا ليس من باب التشبه ، لكن إذا كان الفعل لا يفعله إلا الكفار ، ويفعلونه بغير مقتضى الإنسانية ، مثل بعض الألبسة الخاصة بهم ، يمثِّل العلماء بطاقية اليهود مثلا ، أو في الألبسة – أنا فيما يظهر لي والله أعلم – أن ما يسمى بالكرفتة من هذا الباب

من شرح الأصول الثلاثة في درسه في المسجد النبوي في موسم حج 1429-1430 هـ .

قلت سيف : سيأتي نقل مطول لكلام ابن تيمية  في تتمات البحث

———–

تتمات :  أخونا حسين جمع شرح طيب للحديث لكن هذه تتمات إن شاء الله تزيد البحث حسنا ملخصه من بحوث مفرقه :

حكم الفرق:

حكى الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض: أن الفرق سنة واستند إلى أنه هو الذي استقر عليه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويفهم مما حكاه الحافظ عن بعض العلماء، أن الفرق واجب وأنه قد نسخ به السدل، ووجهه: أنه قد جاء في حديث ابن عباس: “كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء”، فالظاهر أنه فرق بأمر من الله، وقد حكى عن عمر بن عبد العزيز، كما جزم بذلك الحازمي.

أقول إن الظاهر الذي حكاه الحافظ قد صرح به في رواية معمر إذ جاءت بلفظ: “ثم أمر بالفرق”ومعلوم أن الأمر إذا أطلق يستفاد منه الوجوب.

وقد عقب القرطبي على هذا القول بقوله: “الظاهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب بقصد الاستئلاف فلما لم يؤثر فيهم ذلك، أحب مخالفتهم ففرق، وحينئذ يكون الفرق مستحبا، وما جاء في الحديث بلفظ الأمر؛ لا يبعد عن ذلك لأن الأمر يشمل الواجب والمندوب”.

كما أن دعوى النسخ ليست واردة إذ لو كان السدل منسوخا لتركه الصحابة رضي الله عنهم أو أكثرهم، لكن المنقول عنهم أن بعضهم كان يفرق والبعض الآخر كان يسدل شعره ولم يعب بعضهم على بعض.

لذلك قال الجمهور باستحباب الفرق اتباعا لما كان عليه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وهو المختار.

وقد حكى الحافظ ابن حجر رأي النووي بقوله: قال النووي: الصحيح جواز السدل والفرق [51] .

ولكن الموجود في المجموع له: قوله: يستحب فرق شعر الرأس لحديث ابن عباس وذكر الحديث [52] .

ولعله أطلق الجواز لما هو أعم من المباح المستوي الطرفين؛ فقد يطلق الجواز على ما يقابل الحرام حيث يراد به ما يشمل المكروه والمندوب والمباح، أو كان يرى أولا الجواز الذي يراد به المباح المستوي الطرفين، ثم تبين له بعد ذلك أنه مستحب فصرح به في المجموع وهو من آخر أعماله رحمه الله.

واستدل بعضهم بأن الفرق مستحب بحديث فقال :وقد صحَّ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان له لِمَّةٌ ، فإنَّ انفرقت فرقها ، وإلا تركها . وهذا يدلُّ على أن هذا كان غالب حاله ؛ لأنَّ ذلك ذكره مع جملة أوصافه الدائمة ، وحِليته التي كان موصوفًا معروفًا بها ، فالصحيح : أن الفرق مستحبٌّ لا واجب ، وهذا الذي اختاره مالك . وهو قول جل أهل المذاهب. والله تعالى أعلم .

قال باحث في فتوى له :

وقد بحث العلماء في فقه هذا الحديث ، وخلاصة القول ما قاله الإمام النووي :

والحاصل أن الصحيح المختار جواز السدل والفرق ، وأن الفرق أفضل . ” شرح مسلم ” ( 15 / 90 ) .

فائدة :

ذكر بعض لجان الفتوى  أن الفرق الجانبي ليس من التشبه فقالوا في جواب سؤال حول هذه المسألة :

وعليه ففرق الشعر من جانب لا بأس به إذا لم يكن يقصد منه التشبه بالكافرات أو التشبه بالرجال.

إشكال حول حديث ( نهى عن السدل )

فقيل أن المراد بالنهي عن سدل الشعر محمول على سدله على الناصية خاصة. وبعضهم قال هو سدل الثوب بحيث يمس الأرض :

حديث  أبي هريرة أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ نَهى عنِ السَّدلِ في الصَّلاةِ وأن يغطِّيَ الرَّجلُ فاهُ

وحسنه  الألباني      – في صحيح أبي داود   643

وقال الطبراني في المعجم الأوسط -:2/70

: لم يرو هذا الحديث عن عامر إلا سعيد تفرد

وقال أبو داود         في سننه : 643

: رواه عسل عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي نهى عن السدل في الصلاة [وروي عن عطاء أكثر ما يصلي سادلا] وهذا يضعف الحديث

وأخرجه أحمد من غير تقييد في الصلاة 8582 – ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺟﻌﻔﺮ، ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺳﻌﻴﺪ ﻳﻌﻨﻲ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻋﺮﻭﺑﺔ، ﻋﻦ ﻋﺴﻞ، ﻋﻦ ﻋﻄﺎء، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ، ” ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻧﻬﻰ ﻋﻦ اﻟﺴﺪﻝ

وضعفه محققو المسند

قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ :

قَالَ الْخَطَّابِيّ : السَّدْل إِرْسَال الثَّوْب حَتَّى يُصِيب الْأَرْض .

وَقَالَ فِي النَّيْل : قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي غَرِيبه : السَّدْل إِسْبَال الرَّجُل ثَوْبه مِنْ غَيْر أَنْ يَضُمّ جَانِبَيْهِ بَيْن يَدَيْهِ ، فَإِنْ ضَمَّهُ فَلَيْسَ بِسَدْلٍ .

وَقَالَ صَاحِب النِّهَايَة : هُوَ أَنْ يَلْتَحِف بِثَوْبِهِ وَيُدْخِل يَدَيْهِ مِنْ دَاخِل فَيَرْكَع وَيَسْجُد وَهُوَ كَذَلِكَ . قَالَ : وَهَذَا مُطَّرِد فِي الْقَمِيص وَغَيْره مِنْ الثِّيَاب .

قَالَ وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَضَع وَسَط الْإِزَار عَلَى رَأْسه وَيُرْسِل طَرَفَيْهِ عَنْ يَمِينه وَشِمَاله مِنْ غَيْر أَنْ يَجْعَلهُمَا عَلَى كَتِفَيْهِ .

وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : سَدَلَ ثَوْبه يَسْدُلهُ بِالضَّمِّ سَدْلًا أَيْ أَرْخَاهُ.

وَلَا مَانِع مِنْ حَمْل الْحَدِيث عَلَى جَمِيع هَذِهِ الْمَعَانِي إِنْ كَانَ السَّدْل مُشْتَرَكًا بَيْنهَا ، وَحَمْل الْمُشْتَرَك عَلَى جَمِيع مَعَانِيه هُوَ الْمَذْهَب الْقَوِيّ.

معنى السدل في الصلاة:

قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم :

والسدل المذكور هو أن يطرح الثوب على أحد كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على كتفه الآخر هذا هو المنصوص عن أحمد، وعلله: بأنه فعل اليهود، وقال حنبل ” قال أبو عبد الله: والسدل أن يسدل أحد طرفي الإزار ولا ينعطف به عليه، وهو لبس اليهود، وهو على الثوب وغيره مكروه السدل في الصلاة.

—–

كلام أهل العلم في التحذير من مشابهة الكفار

قال ابن تيمية -رحمه الله – في” اقتضاءالصراط المستقيم”  : ثم إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب من اعتقادات، وإرادات وغير ذلك وأمور ظاهرة: من أقوال، أو أفعال قد تكون عبادات، وقد تكون أيضا عادات في الطعام واللباس، والوهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أموراً ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعوراً وأحوالاً.

وقد بعث الله محمداً ً صلى الله عليه وسلم بالحكمة التي هي سنته،وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر وإن لم يظهر لكثير في ذلك مفسدة لأمور: منها : أن المشاكة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلًا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال،وهذا أمر محسوس؛ فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد في نفسه تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضياً لذلك، إلا أن يمنعه مانع.

ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال،والانعطاف على أهل الهدى والرضوان وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.

وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام -لست أعني مجرد التوسم به ظاهراً أو باطناً بمجرد الاعتقادات من حيث الجملة- كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطناً وظاهراً أتم وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.

ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميز ظاهرًا، بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والظالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.

هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحاً محضاً لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم؛ كان شعبة من شعب الكفر؛ فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم، فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له.

نكاح، والمسكن، والاجتماع والافتراق،والسفر والإقامة، والركوب وغير ذلك

وقال شيخ الإسلام:  ومما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: 104].

فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهى المسلمون عن قولها؛ لأن اليهود كانوا يقولونها، وإن كانت من اليهود قبيحة، ومن المسلمين لم تكن قبيحة، لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار.

وقال -رحمه الله -:  عقب قوله تعالى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ) [المائدة: 55]: والموالاة والمودة، وإن كانت متعلقة بالقلب لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومباينتهم…، ولما دل عليه الكتاب جاءت سنة رسول الله < وسنة خلفائه الراشدين التي أجمع الفقهاء عليها، بمخالفتهم وترك التشبه بهم ففي “الصحيحين”  عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله <: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ».

أَمْرٌ بمخالفتهم وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا للشارع.

ثم قال شيخ الإسلام بعد المقطع السابق:  ويوضح ذلك أنه لو لم يكن لقصد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ، لم يكن لذكرهم فائدة ولا حسن تعقيبه به وهذا وإن دل على مخالفتهم أمر مقصود للشرع، فذلك لا ينفي أن يكون في نفس الفعل الذي خولفوا فيه مصلحة مقصودة مع قطع النظر عن مخالفتهم فإن هنا شيئين:

أحدهما: أن نفس المخالفة لهم في الهدي الظاهر مصحلة،  لمن تنور قلبه، حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم، والضالون من المرض الذي ضرره أشد من ضرر أمراض البدن.

والثاني: أن نفس ما هم عليه من الهدي، والخلق قد يكون مضرًا أو منقصاً فينهى عنه، ويؤمر بضده لما في من المنفعة والكمال، وليس شيء من أمورهم إلا وهو إما مضر أو ناقص.

ثم قال: فقد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة، ثم ذكر حديث: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود».

ثم قال:  وهذا اللفظ دل على الأمر بمخالفتهم والنهي عن مشابهتهم ؛ فإنه إذ نهى عن التشبه بهم في بقاء بيض الشيب الذي ليس من فعلنا ؛فَلَأَنْ ينهى عن إحداث التشبه بهم أولى؛ ولهذا كان هذا التشبه يكون محرماً…….

وذكر الحديث المتفق عليه «خالفوا المشركين احفوا الشوارب وأوفوا اللحى» وحديث «لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون» وحديث  ابن عمر عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من تشبه بقوم فهو منهم» . وقال: سنده جيد.

– ثم قال:  وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره، يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة:51]. وبكل حال يقتضي تحريم التشبه بعلة كونه تشبهًا، والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير.

فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبهًا نظر، لكن قد ينهى عن هذا؛ لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة

ولهذا أيضا كره أحمد: لباس أشياء كانت شعار الظلمة في وقته من السواد ونحوه، وكره هو وغيره تغميض العين في الصلاة وقال: هو من فعل اليهود.

ثم ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أشياء من التشبه بالكفار، وأن أصل الشرك الذي نقل إلى العرب هو من التشبه بالكفار نقله عمرو بن لحي مُحرِّم البحيرة والسائمة والوصيلة، ثم قال  : وإنما فعله -يعني عمرو بن لحي – متشبهًا فيه بغيره من أهل الأرض،

ثم ذكر -رحمه الله- أحاديث الأذان ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم فيها لليهود والنصارى.

قال شيخ الإسلام ممثلًا على هذا:  وهذا المشابهة لليهود والنصارى، وللأعاجم من الروم والفرس لما غلبت على ملوك المشرق هي وأمثالها مما خالفوا به هدي المسلمين، ودخلوا فيما كرهه الله ورسوله سلط عليهم الترك الكافرون الموعود بقتالهم حتى فعلوا في العباد والبلاد ما لم يجر في دولة الإسلام مثله، وذلك تصديق قوله «لتركبن سنن من كان قبلكم» .

ثم قال شيخ الإسلام -رحمه الله -: وأما الإجماع -يعني إجماع الصحابة ومن بعدهم فمن وجوه: من ذلك: أن أمير المؤمنين عمر، في الصحابة رضي الله عنهم، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: ” أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم: قلنسوة، أو عمامة، أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبًا ، ولا كتبًا، في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين” رواه حرب بإسناد جيد.

وتكلم شيخ الإسلام -رحمه الله –  عن عدم جواز مشابهتهم في الأعياد.

وذكر أن :

الآدمي إذا عاشر نوعًا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه، ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم،

فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي.

وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفرًا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضًا مناسبة وائتلافًا، وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضًا أمر محسوس، فمشابهتهم في أعيادهم -ولو بالقليل- هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة انتهى من بحث لأحد الباحثين باختصار

قلت سيف : ودليل  التفرق الموجب للتنافر حديث( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم…. ) فكون المسلم يفارق الكافر،  ولا يشابهه هذا أدعى لعدم الميل لهم.

————-

مسألة : هل شرع من قبلنا شرع لنا :

شرع من قبلنا قسمان:

القسم الأول: ما لا تختلف فيه الشرائع وهو التوحيد وأصول الإيمان فهذا يكون فيه شرع من قبلنا شرع لنا باتفاق قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}

وفي الصحيحين عن أبي هريرة 1 – رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ – أن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ – قال: ” نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ”

القسم الثاني: ما تختلف فيه الشرائع وهذا له ست صور (  قلت سيف : ساذكر ثلاث صور فقط والمحذوف صور لم تثبت أنها من دينهم إما بتكذيب ديننا لها وما شابه ذلك) :

الصورة الأولى: ما ثبت في شرع من قبلنا وثبت في شرعنا ما يوافقه فهنا يكون شرع من قبلنا شرع لنا مثل القصاص ورجم الزاني والطهارة ونحوها فهذا يكون شرعاً لنا باتفاق وإن كان هذا في الحقيقة العمدة فيه هو الدليل الوارد في شرعنا لا شرعهم فقط.

الصورة الثانية: ما ثبت أنه شرع لمن قبلنا وثبت في شرعنا خلافه فهنا العبرة بما جاء في شرعنا

الصورة السادسة: ما ثبت في شرعنا أنه شرع لمن قبلنا ولم يثبت في شرعنا موافقته أو مخالفته أي ان شرعنا أورده وسكت عنه فهذا هو محل النزاع وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه يكون شرعاً لنا وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية وجمهور الشافعية والحنابلة وهو إحدى الروايتين عن أحمد أومأ إليها في رواية أبي الحارث وحنبل والفضل بن زياد وعبد الصمد والأثرم في مسألة القرعة وقد وردت في موضعين في القرآن في قصة مريم وقصة يونس عليه السلام، وكذا في رواية صالح في مسألة القصاص، واختاره مالك كما في كتاب الديات من الموطأ ونص عليه الشافعي في كتاب الأم في كتاب الطعمة والإجارة.

واختار هذا القول القاضي أبو يعلى وأبو الخطاب وابن قدامة وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة والباجي والقرافي وابن الحاجب من المالكية والدبوسي والبزدوي من الحنفية.

القول الثاني: انه ليس شرعاً لنا وهو قول بعض الشافعية كالغزالي والآمدي والشيرازي في كتاب اللمع أما في كتاب التبصرة فقد وافق الجمهور وقال بهذا القول ابن حزم وصححه النووي وهو رواية عن أحمد أومأ إليها في رواية أبي طالب في القصاص وهو قول المعتزلة والأشاعرة

المطلب الرابع

أدلة الأقوال في المسألة

أدلة الأقوال في المسألة

أدلة القول الأول:

1-         قوله تعالى:…أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه

واعتُرض على الآية :” أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ هُدًى مُضَافٍ إِلَى جَمِيعِهِمْ، مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ دُونَ مَا وَقَعَ بِهِ الْخِلَافُ فِيمَا بَيْنَهُم أو تحمل على أصول الدين

“و جوابه:إن ألفاظ تلك الآيات عامة وشاملة لأصول الدين وفروعه، فيجب حملها على هذا العموم

2-         “عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ»

ووجه الدلالة:”أنه ليس في القرآن قصاص السن إلا ما حكي عن التوراة في قوله تعالى: والسن بالسن.

واعترض ذلك:”بأنه موجود في القران قال الله:فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم.

3-         عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ يَهُودِيًّا وَقَالَ: ” اللهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ، أَنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً قَدْ أَمَاتُوهَا “( ).وفي الصحيح عن ابن عمر

ووجه الدلالة من الحديث أن النبي  رجم اليهودي عملا بشرعهم وإحياءً لسنة قد أماتوها، قبل أن ينزل فيها وحي في شرعنا.

واعترض على ذلك:أن “مُرَاجَعَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ التَّوْرَاةَ فَإِنَّمَا كَانَ لِإِظْهَارِ صِدْقِهِ.

والجواب لو كان المراد إظهار صدقه لكتفى بوجوده في التوراة دون أن يقول:” اللهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ، أَنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً قَدْ أَمَاتُوهَا”. وهذا ظاهر البيان.

8-         عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ.وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي( )”( ).

“ووجه الدلالة: أن الآية خطاب مع موسى – عليه السلام – فلو لم يكن نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – متعبداً بما كان عليه موسى – عليه السلام – لما صح استدلاله بتلك الآية”( ).

واعترض ذلك:” ما ذكره – صلى الله عليه وسلم – تعليلا للإيجاب، لكن أوجب بما أوحي إليه ونبه على أنهم أمروا كما أمر موسى وقوله:لذكري أي: لذكر إيجابي للصلاة، ولولا الخبر لكان السابق إلى الفهم أنه لذكر الله تعالى بالقلب أو لذكر الصلاة بالإيجاب”( ).

والجواب لو كان بما أوحى الله لاستدل عليه الصلاة والسلام بما أوحي إليه.

9-         “أن اللَّه تعالى إذا شرع حكما شرعيا فى حق أُمَّة من الأمم السابقة فإن هذا يدل على أمرين:

أولهما: أن اللَّه سبحانه لم يشرعه إلا لأن مصلحة هذه الأُمَّة قد اقتضت هذا الحكم.

ثانيهما: أنه لم يشرعه إلا لأنه قد اعتبره لكل زمان، ولكل مكان، ولكل مكلَّف… فإن الحكم الذي أنزله اللَّه تعالى في أي شريعة يجب أن يستمر من حين نزوله إلى أن ينسخ، وبناء على ذلك فيجب العمل بما جاء في الشرائع السابقة حتى يرد دليل على نسخه وإبطاله”( ).

أدلة القول الثاني:

1-         قوله تعالى:لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا(.

والجواب : أن الشرائع قد تتفق ف اشياء

2-         عَنْ جَابِرٍ: ” أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ كِتَابًا حَسَنًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ:”أَمُتَهَوِّكُونَ….

ووجه الدلالة:أن النبي نهى عمر أن يرجع للتوراة وهي شرع من قبلنا فنهيه دلالة على عدم اتباعه شرع من قبله.

“والجواب أنه إنما أنكر عليه، لأن التوراة مبدلة مغيرة، وأكثرها منسوخ ثم الحديث ضعيف

3-         “عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٌ … “.

ووجه الدلالة ما قاله الرازي:” ولم يذكر التوراة والإنجيل وشرع من قبلنا فزكاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصوبه.

ولو كان ذلك من مدارك الأحكام لما جاز العدول إلى الاجتهاد إلا بعد العجز عنه”.

والجواب:” إنما لم يذكر التوراة والإنجيل؛ لأن في الكتاب آيات تدل على الرجوع إليهما إنه لو كانت تلك الشرائع السابقة قد وصلتنا بطريق يوثق به بدون تغيير لرجع إليها الصحابة”

4-         “عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً … .

ووجه الدلالة:”دل على أنهم لم يكونوا مبعوثين إلينا، فلا يكون شرعهم لازماً لنا”.

“والجواب: أن قوله: “بعث” يعني: متبوعاً مقصوداً إلى قومه، وغير قومه تبع له”.

5-         “أن شرع من قبلنا لو كان شرعاً لنا لم يتوقف عن الجواب في الحادثة حتى ينزل الوحي

والجواب: أنه توقف؛ لأنه لم يكن عنده الحكم، ولا ثبت عنده الحكم في شرع غيره

6-         “أنه لو وجب علينا اتباع شرعهم لوجب أن نتتبع أدلتهم ونعرفها، كما يجب ذلك في حكم الإسلام، ولوجب علينا حفظ شريعتهم ودراستها.

والجواب: أنه لا يمتنع أن يقال: إنه ثبت عندنا صحة بعض الأدلة بالأوجه التي ذكرناها، فوجب المصير إلى موجبه والعمل به،

المطلب الخامس :

الموازنة والترجيح .

والراجح والله أعلم القول الأول لقوة أدلتها وصراحة دلالتها، فشرع من قبلنا شرع لنا متى ما ثبت نقله ولم ينسخه شرعنا أو ينهانا عنه أو يخالف شرعنا والله تعالى أعلم بالصواب.

قلت سيف بن دورة : والمسألة تحتاج مزيد بحث

المطلب السادس :

نوع الخلاف وأثره

نوع الخلاف و أثره

“لقد اختلف في نوع الخلاف في هذه المسألة هل هو لفظي أو معنوي؟

على قولين:

القول الأول: أن الخلاف معنوي له ثمرة وهو الصواب؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قد استدلوا بشرع من قبلنا وجعلوه من أدلتهم في إثبات أحكام شرعية، منها:

1-         أنهم استدلوا به على قتل الرجل بالمرأة، حيث إن قوله تعالى:(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ..) يدل على ذلك مع أنه خطاب من قبلنا.

2-         كذلك استدلوا به على جواز الجعالة – وهي: الإجارة على منفعة مظنون حصولها مثل مشارطة المعلم – على حذق المتعلم – وقالوا: إن قوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير..) يدل على ذلك مع أنه وارد في شرع من قبلنا.

3-         وكذلك استدلوا به على ضمان ما تفسده الدواب المرسلة في الليل؛ حيث إن قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) والنفش عند أهل اللغة لا يكون إلا في الليل.

والقائلون بأنه لا ثمرة من الخلاف قالوا كل مسألة لها دليل من شرعنا فالسن بالسن دليله(  فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) وهكذا وأجاب الآخرون انهم يستدلون بشرع من قبلنا كتقوية لم ترجح لهم فهو دليل معتبر))))))))))))