1135 التعليق على الصحيح المسند

1135 التعليق على الصحيح المسند

مجموعة: طارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي، وعبدالحميد البلوشي،  وكديم، ونوح وموسى الصوماليين.

بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة  .

بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي

(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ،  نسأل الله أن تكون في ميزان  حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير  آل نهيان  صاحب الأيادي البيضاء  رحمه الله  ورفع درجته في عليين   ووالديهم  ووالدينا )

——“——-“——-”

——‘——–‘——-”

الصحيح المسند  (ج2/ رقم 1135):

قال أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله (ج ٢ ص ٥١٠): حدثنا وكيع، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي بردة، عن المغيرة بن شعبة، قال: أكلت ثومًا ثم أتيت مصلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فوجدته قد سبقني بركعة، فلما قمت أقضي وجد ريح الثوم، فقال: «من أكل من هذه البقلة فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها» قال المغيرة: فلما قضيت الصلاة أتيته، فقلت: يا رسول الله، إن لي عذرًا، فناولني يدك. قال: فوجدته والله سهلًا، فناولني يده فأدخلها في كمي إلى صدري، فوجده معصوبًا، فقال: «إن لك عذرًا».

هذا حديث صحيحٌ. وقد أخرجه الإمام أحمد (ج ٤ ص ٢٥٢) فقال رحمه الله: ثنا وكيع، ثنا سليمان بن المغيرة به.

وأخرجه أبو داود (ج ١٠ ص ٣٠٤) فقال رحمه الله: حدثنا شيبان بن فَرُّوخٍ، أخبرنا أبو هلال، أخبرنا حُمَيْدٌ بن هلال به.

وقال صاحب «عون المعبود»: قال المنذري: في إسناده أبو هلال محمد بن سليم الراسبي، وقد تكلم فيه غير واحد. اهـ

قال أبو عبد الرحمن: طريق أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد ليس من طريقه، والحمد لله.

وقال في الجامع الصحيح:

“والظاهر أن له عذرا في جواز أكل الثوم للعلاج، ولا يدخل المساجد ولا يحضر مجامع الناس فيؤذيهم جمعا بين الأدلة”.

===================

الحديث سيكون من وجوه:

سبق التوسع  في شرح الحديث في الصحيح المسند 1082 من حديث  قرة بن إياس  قال الإمام أبو داود رحمه الله : حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَيْسَرَةَ يَعْنِي الْعَطَّارَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، وَقَالَ: ((مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)) وَقَالَ: ((إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخًا)) قَالَ: يَعْنِي الْبَصَلَ وَالثُّومَ

———–‘———‘——–

حديث المغيرة :

بوب عليه الوادعي في عدة مواضع في الجامع الصحيح:

جواز أكل الثوم لحاجة (١٦)، (/رقم (٨٢٣)]

وفي (4/550): التداوي بالثوم، وفي (3/346): حسن أخلاقه ﷺ.

تبويبات بعض الأئمة في مسألة أكل الثوم والبصل ونحوهما  :

بوب  البخاري في صحيحه: بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيِّ وَالبَصَلِ وَالكُرَّاثِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ البَصَلَ مِنَ الجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا.

وسيأتي  تخريج هذا الحديث الذي علقه البخاري  في آخر  المبحث

والنووي على صحيح مسلم : بَابُ نَهْيِ مَنْ أَكَلِ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا أَوْ نَحْوَهَا، في كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاة، رقم (916)

تمهيد:

الإسلام دين المجتمعات، دين المحبة والتآلف والتواد، يرغب في كل ما يحقق ذلك، وينفر من كل ما يحول دون ذلك مهما قل العائق، ومهما كان مؤقتًا.

لهذا دعا إلى الطيب والرائحة الجميلة والاغتسال، وغسل الأماكن الناعمة من البدن، ودعا إلى النظافة وإزالة الروائح الكريهة، ويتأكد طلب هذه الأمور عند كل اجتماع سواء كان بالمساجد أو بالمجتمعات العامة المشروعة.

من هذه القاعدة حذر الشارع من أكل الثوم والبصل قبيل ملاقاة الآكل بغيره من المسلمين؛ لئلا يؤذيه بريحه الخبيث.

إن أكل الثوم والبصل نيئًا مباح في ذاته، ولكن المباح قد يمنع إذا أدى إلى محرم عملاً بقاعدة: للوسيلة حكم الغاية، ولا شك أن إيذاء المسلم حرام، فما أدى إلى الحرام حرام، أو على الأقل مكروه، وقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن إيذاء المسلم يريح أخيه بذكر الثوم والبصل والكراث كعنوان لكل ما يشبهها في آثارها، وعبر عن ذلك بعبارات مختلفة من أكل من هذه الشجرة أي- يعني الثوم – فلا يأتين المساجد [وفي هذا التعبير إشارة إلى أن ذنوب آكل الثوم إذا حضر المسجد أكثر من حسناته عن صلاة الجماعة.

وفيه كذلك العمل بقاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح] من أكل من هذه البقلة فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها.

من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلي معنا.

من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثوم.

من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس.

من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته.

من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد.

ولكثرة النهي بالأساليب المختلفة كاد الصحابة يعتقدون حرمة أكل الثوم والبصل والكرات النيئ لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لهم أن أصل حل الكل قائم، وأن المنع إنما هو لمن أدى أكله إلى إيذاء الآخرين لكنهم مع ذلك ظل همهم الخوف من أكلها؛ لأن المسلم عرضة للقاء المسلم بين الحين والحين حتى لو قعد في بيته.

ويتضح هذا الاهتمام جليًا أن هذا الأمر كان ضمن وصايا عمر الأساسية عند وفاته، فإنه بعد أن طعن رضي الله عنه خطب يوم الجمعة كعادته، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالتجلة والإكبار والإعظام والثناء عليه، ثم ذكر أبا بكر فمدحه وأثنى على ما قام به من خدمات الإسلام، ثم قال للناس: إني رأيت في المنام كأن ديكًا نقرني بمنقاره ثلاث نقرات، -وكان عمر ممن يعبر الرؤى-، فعبر النقر بنهاية الأجل، وعبر الثلاث بتأكيده، فقال للناس: وإني لا أرى ولا أظن تفسير ذلك إلا أنه قد حان أجلي، وإن جماعة من المسلمين يطلبون مني أن أعين الخليفة بعدي، وإن آخرين يطلبون مني أن أترك الأمر شورى بين المسلمين.

فإن أجبت الأولين واستخلفت فأبو بكر فعل ذلك، وإن أترك الأمر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وقد قررت أن أجمع بين الحسنيين، فأستخلف ستة من خيرة المسلمين وممن زكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ….

ثم إني لا أخشى عليكم في دينكم وليس عندي ما أوصيكم به، وما يشغلني في أشد لحظاتي وأضيقها سوى أمرين.

أمر الكلالة [أي من يرث الميت إذا لم يترك أصلاً ولا فرعًا وارثًا وترك زوجًا وإخوة لأم وإخوة لأم وأب] وقد راجعت في حكمها رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً راجيًا أن ينزل من السماء ما يشفي صدري في حكمها.

وأمر الشجرة التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكلها عند اجتماعات المسلمين، فمن أكلها منكم فليأكلها مطبوخة ميتة الرائحة.

أما قاتلي فإن أعش حكمت فيه بحكم المسلمين من يقرأ القرآن ويفهم أحكامه ومن لا يقرؤه، وأما من وليتهم أمور المسلمين فقد بذلت جهدي في اختيارهم وفي توصيتهم بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله.[فتح المنعم]

أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:

(عن المغيرة بن شعبة، قال: أكلت) يومًا (ثومًا) نيئًا (ثم أتيت مصلى النبي ﷺ، فوجدته قد سبقني) في الصلاة (بركعة، فلما قمت أقضي وجد) النبي صلى الله عليه وسلم مني (ريح الثوم) الكريهة وهو في الصلاة، فلم يكلمني في صلاته؛ لأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين.

فلما قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته، وسلم منها التسليمتين، ودعا (فقال: «من أكل من هذه البقلة فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها)، أي: ريح الشجرة المنتنة ريح فم الآكل.

وراه ابن حبان في «صحيحه»: بوب عليه: باب ذكر إسقاط الحرج عن أكل ما وصفنا [نيئًا مع] شهوده الجماعة إذا كان معذورًا من علة يداوي بها.

فجعل أكل ما له ريح كريه عذرًا في حضور صلاة الجماعة، ويدخل فيه ما إذا كان ريح الآدمي كريهة من بخر في فيه أو صنان تحت إبطه حتى يداويه، فيكره له ترك تداويهما.

وروى أبو نعيم عن المغيرة أيضًا قال: قلت: يا رسول الله! نهينا عن طعام كان لنا نافعًا. قال: «وما هو؟» قلت: الثوم. قال: «وما كنتم تجدون من منفعته» قلت: كان ينفع صدورنا وظهورنا. قال: «فمن أكله منكم فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها منه».

قلت سيف بن دورة :

أخرجه أبو نعيم 1/411  من طريق

الوليد بن مسلم، حَدَّثَنا رجل يقال له: قده مولى بني يزيد قال: سمعت مكحولا يحدث، عَن كلثوم بن عياض، عَن المغيرة بن شعبة .

وهل الجذام والبرص عذر في الحضور؟ فعدهما من الأعذار؛ لأن التأذي بهما أشد من التأذي بالرائحة الكريهة.

(قال المغيرة: فلما قضيت الصلاة أتيته، فقلت: يا رسول الله، إن لي عذرًا، فناولني يدك. قال: فوجدته والله سهلًا)

وفيه الأدب في استئذان الكبير أو العالم عند إرادة أخذ يده.

قال: (فناولني يده فأدخلها في كمي)) وهذا يدل على أن كم القميص كان فيه بعض اتساع،  (إلى صدري) فيه أن صدر الرجل ليس بعورة.

(فوجده معصوبًا) بالرفع خبر المبتدأ (الصدر) أي: مربوط على صدري بعصابة، ويحتمل أنه وضع يد رسول اللَّه ﷺ على العصابة لا على جسمه، فلا دليل إذًا.

قلت سيف :  دليله اللمس  . وإلا  لا يجوز  لمس العورة  ولو  من خلف  حائل  إلا لضرورات العلاج  .

(قال) رسول اللَّه ﷺ (إن لك عذرًا) يعني: في التأخر عن الجماعة أو في أكل الثوم، قال ابن البيطار: الثوم حار مسخن مخرج للنفخ من البطن، مجفف للمعدة، وإذا أكل أخرج دود حب  القرع. وقال الرازي: يحل الرياح ويفشها أكثر من كل غذاء، ويمنع من زوائد القولنج الريحي. [شرح سنن أبي داود لابن رسلان (15/478) بتصرف]

ثانيًا: فقه الحديث

“قال النووي هذه الأحاديث تصرح بنهي من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد، وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاص في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله في الرواية مسجدنا، وحجة الجمهور  رواية ( فلا يأتين المساجد )  ورواية ( وفلا يقربن مساجدنا  )

ثم قال: وقال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد كمصلى العيد والجنائز ونحوهما من مجامع العبادات وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها.اهـ

وقال الحافظ ابن حجر: قد ألحق بعضهم هذه الأماكن بالمسجد عن طريق القياس لكن دخولها بطريق العموم أولى، ويؤكد هذا ما جاء في الرواية  بلفظ ( وليقعد في بيته ) وقال: وحكم رحبة المسجد وما قرب منه حكمه، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحها في شخص في المسجد أمر بإخراجه إلى البقيع كما في رواية .اهـ

وهل يعم الحظر جميع أحوال المسجد حتى ولو لم يكن به أحد؟ أو كان به جماعة كلهم أكلوا فلا يتأذون؟ وهل تدخل الأسواق في المجتمعات المنهي عن دخولها لآكل الثوم؟.

يقول الحافظ ابن حجر: علل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة وترك أذى المسلمين، فإن كان كل منهما جزء علة اختص النهي بالمساجد وما في معناها، ولا تدخل الأسواق، وهذا هو الأظهر، ويؤيده قوله في رواية (  فلا يقربنا في المسجد ) قال القاضي ابن العربي: ذكر الصفة في الحكم في المسجد يدل على التعليل بها، اهـ

أقول: والأظهر عندي أن كلاً منهما علة كافية في المنع، فمن آذى ملائكة الرحمة التي تتجمع في مجامع العبادة والذكر والعلم ونحوها منع من إيذائها ولو لم يؤذ غيرها، كمن دخل المسجد برائحة الثوم ولا أحد فيه، أو فيه جماعة كلهم أكلوا الثوم، ومن آذى المسلمين برائحة الثوم في أي اجتماع لهم ولو كان لا يجتمع فيه ملائكة الرحمة كالأسواق منع أيضاً.

يؤكد ذلك عبارة فلا يأتين المساجد ، وعبارة فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها ، وعبارة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس في رواية ، كل ذلك ظاهره النهي ولو لم يكن بالمسجد أحد من الإنس وعبارة فلا يقربنا في رواية، وعبارة فليعتزلنا وليقعد في بيته في رواية  تؤكد منع قدوم آكل الثوم على الجماعة وإن لم تكن في أماكن العبادة، والله أعلم.

قلت سيف :  إدخال السوق  فيه  توسع  لأن الناس في السوق  كل في شأنه  وإذا جلسوا  فهو مدة يسيرة.  نعم  لو  قيدناه  بالمكاتب الصغيرة  فله وجه .

لذلك نقل ابن الملقن  في الإعلام  الفرق  بين الأماكن  المغلقة والأماكن المفتوحة  .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح كتاب الاطعمة من صحيح البخاري :

( فإن قال قائل وإذا كان كلهم قد أكلوا بصلا أو ثوما ؟ نقول نعم وإن كان كلهم قد أكل البصل وثوم لأنهم إذا لم يتأذوا هم تأذت الملائكة فلا يقربون المسجد ولكن هل يصلون جماعة في البيت ؟ الجواب : نعم يصلون جماعة في البيت فإن قال قائل لماذا لا تحرمون البصل والثوم لأن أكلهما ذريعة إلى ترك الصلاة مع الجماعة ؟ قلنا لا نحرم ذلك لأن هذا الذي أكل إنما منعناه لا عقوبة له ولكن دفعا لأذاه ولهذا لو قدر أن شخصا من الناس قال سآكل البصل والثوم لئلا أذهب إلى المسجد قلنا له في هذه الحال يكون الأكل حراما عليك أليس الرجل يذهب يسافر في رمضان سفرا عاديا وإذا سافر أفطر هل نقول لا يجوز لك السفر لأنه وسيلة للفطر ؟ الجواب : لا لكن لو سافر من أجل أن يفطر صار السفر حراما والفطر حراما ووجب عليه أن يصوم ولو في السفر لأنه تحيل لإسقاط ما أوجب الله عليه ، نعم).

وقال ابن الملقن أيضا :

الثامن عشر: قال صاحب (الإكمال): لو أن جماعة مسجد كلهم وجدت الروائح الكريهة منهم، لا يخالطهم في مسجدهم غيرهم لم يمنعوا منه، بخلاف ما لو كان معهم غيرهم ممن يتأذى منهم بذلك.

قلت: فيه نظر لأجل احترام الملائكة. وقد روى الترمذي لحكيم [بعد] «فلا يقربن مسجدنا» قيل: يا رسول الله! إذا كان أحدنا خاليًا، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى به ابن آدم»، ومن هذا يؤخذ الكراهة فيما إذا صلى فيه وحده”. انتهى رحمه الله تعالى بتصرف يسير.

أكل الثوم ونحوه فلا يتعلق به النهي.

قال النووي: فهذه البقول حلال بإجماع من يعتد به، وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها؛ لأنها تمنع عن حضور الجماعة، وهي عندهم فرض عين، وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث الباب :  كل فإني أناجي من لا تناجي، وقوله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي.

قال ابن الملقن في الإعلام :

الخامس: قوله – عليه الصلاة والسلام -: «[كُلْ]» فيه دلالة على إباحة أكل الثوم والبصل ونحوهما، وهو حلال بإجماع من يعتد به.

وحُكِي عن أهل الظاهر تحريمها، لأنها تمنع من حضور الجماعة، وهي عندهم فرض عين.

وحجة الجمهور هذا الحديث وقوله – عليه الصلاة والسلام -: «أيها الناس! إنه ليس بي تحريم ما أحل الله» [انظر: البخاري ، ومسلم (١٧٧٢) ].

قلت: والنهي إنما هو الحضور مع الجماعة أو عن حضور المسجد فقط، ويلزم من إباحة أكلها ومنع حضور الجماعة والمساجد بسبب أكلها أن لا تكون الجماعة واجبة على الأعيان؛ لأن من لازم جواز أكلها ترك الصلاة جماعة في حق آكلها ، ولازم الجائز جائز، وترك الجماعة في حق آكلها جائز، وذلك ينافي الوجوب عليه.

[ قال سماحة الشيخ ابن باز -حفظه الله- في تعليقه على فتح الباري (٢/ ٣٤٣): ليس هذا التقرير بجيد، والصواب أن إباحة أكل هذه الخضروات ذوات الرائحة الكريهة لا ينافي كون الجماعة فرض عين، كما أن حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قدم بين يديه -أي الطعام- مع كون ذلك مباحًا، وخلاصة الكلام أن الله -سبحانه- يسر على عباده، وجعل مثل هذه المباحات عذرًا في ترك الجماعة لمصلحة شرعية، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلة لترك الجماعة حرم عليه ذلك، والله أعلم]

قال العلماء: ويلحق بالثوم والبصل والكراث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها

قال القاضي: ويلحق به من أكل فجلاً وكان يتجشى، قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به من به بخر فيه، أو به جرح له رائحة، اهـ

وألحق بعضهم بذلك أصحاب الصنائع كالسماك والدباغ والقصاب ونحوهم.

وقال ابن المنير: ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بآكل الثوم في المنع من المسجد.

وقال ابن الملقن  في الإعلام :

الثامن: نص في هذا الحديث على الثوم والبصل وفي الحديث الذي بعده على الكراث، وألحق العلماء [بها] كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها، ولعل تخصيص هذه الأشياء بالذكر كثرة أكلهم لها.

قال القاضي عياض: ويلحق [بها] من أكل فجلًا، وكان يتجشى، كذا نقله عنه النووي، وأقره، واستفد أنت أن ذكر الفجل ورد منصوصًا عليه في الحديث أيضًا. أخرجه الطبراني في أصغر معاجمه[الطبراني في الصغير (١/ ٢٢). قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٤٤): في إسناده يحيى بن راشد، وهو ضعيف. وذكره في مجمع الزوائد (٢/ ١٧)، وكنز العمال (٤٠٩٢٨)]، وقد أوضحت الكلام عليه في «تخريج أحاديث المنهاج» و«شرحه».

وقال ابن المرابط: يلتحق بها من في فيه بخرٌ أو به جرح له رائحة.

قال المازري: وألحق الفقهاء بالروائح أصحاب الصنائع: كالقصاب والسماك.

قلت: ومن باب [أولى] المجذوم والأبرص في ذلك؛ لأن التأذي بهما أشد [قلت]: تفقهًا.

قال النووي: وقد اختلف أصحابنا في الثوم.

هل كان حراماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان يتركه تنزهاً؟ وظاهر الحديث أنه ليس بمحرم عليه صلى الله عليه وسلم، ومن قال بالتحريم يقول: المراد: ليس لي أن أحرم على أمتي ما أحل الله لها”. انتهى من [فتح المنعم] وسيأتي كلام الحافظ ابن الملقن حول هذه المسائل إن شاء الله تعالى.

قال الحافظ ابن الملقن رحمه الله معلقًا في [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/417-403)]:

[العاشر]: قد يستدل بالحديث على أن أكل هذه الأمور من الأعذار المرخصة في ترك حضور الجماعة. قال الشيخ تقي الدين: وقد يقال: إن هذا الكلام خرج مخرج الزجر عنها، فلا يقتضي ذلك أن يكون عذرًا في تركها، إلّا أن يدعو إلى [أكلها] ضرورة. قال: ويبعد هذا من وجه تقريبه إلى بعض أصحابه، فإنذلك [ينافي] الزجر.

[ قال في فتح الباري (٢/ ٣٤٣): ويمكن حمله على حالتين، والفرق بينهما أن الزجر وقع في حق من أراد إتيان المسجد، والإذن في التقريب وقع في حالة لم يكن فيها ذلك، والمسجد النبوي -أي في حالة الأمر بالتقريب إلى بعض أصحابه- لم يكن إذ ذاك بني. اهـ.

الثاني عشر: استدل بعضهم بهذا الحديث على أن من يتكلم في الناس ويؤذيهم بلسانه في المسجد أنه يخرج منه ويبعد، ذكره القرطبي في تفسيره.

الثالث عشر: في الحديث الأمر بالقعود في البيت عند وجود الأذى واعتزال الناس؛ للكف عن أذاهم.

السابع عشر: حكم رحبة المسجد حكمه لأنها منه، ولذلك كان ﷺ إذا وجد [ريحها] من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع إبعادًا له عن المسجد ورحبته.

—–

الفتاوى :

هذا هو السؤال.

هل يجوز  للعمال  الذين لهم  رائحة عرق بسبب العمل الشاق  أن يصلوا  صفا لوحدهم في الخلف؟

الشيخ ابن عثيمين والفوزان يقولان أن لمثل هؤلاء أن يقيموا جماعة غير جماعة المسجد.

_____

الفوزان من موقعه:

السؤال: أنا أعمل في مجال المقاولات, وتكون ثيابي وثياب العمال متسخةً نوعا ما؛ فهل لنا أن نصلي في مواقع المشاريع أو الأعمال التي نحن فيها أم يجب الذهاب للمساجد وهي قريبة منا ؟

الجواب : إذا كان فيكم روائح كريهة أو ثيابكم متسخة وتؤثر على المسجد وعلى المصلين ؛ فصلوا جماعةً في مكانكم ؛ لأن هذا عذر.

________

ابن عثيمين من مجموع فتاواه :

الثاني‏:‏ توجد في بعض الاستراحات ملاعب للكرة يلعبون بها بعد المغرب ويؤذن لصلاة العشاء فيكملون اللعب ولا يصلون إلا بعد خروج المصلين من مساجدهم بساعة تقريبا كونهم جماعة، ولكي لا يؤذوا المصلين برائحة العرق المنبعثة من أجسادهم بعد لعبهم الكرة، وعذرهم أيضاً بجواز تأخير صلاة العشاء عن وقتها، ما حكم عملهم هذا‏؟‏

جواب السؤال الثاني‏:‏ إذا الأمر كما ذكر أعني أنه تحصل لهم رائحة تؤذي أهل المسجد فإنهم يصلون في استراحتهم لئلا يتأذى الناس بهم‏.‏ انتهى

قال بعض طلاب العلم :

وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّوم وَالْكُرَّاث فَلا يَقْرَبَنَّ مسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يتأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدمَ.

الحكم معلل    ، فالنهي عن دخول المسجد

لسببين :

إذاء المصلين وإذاء الملائكة

فكونهم يبتعدون عن المصلين في صف متأخر عنهم، فكيف بالملائكة

قال العلامة ابن باز رحمه الله :

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مصلانا وليقعد في بيته فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» ،

والأحاديث في هذا كثيرة، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بإخراج من وجد منه ريح ثوم أو بصل من المسجد، *والعلة في ذلك أن المصلين والقراء والملائكة كلهم يـتأذون من الرائحة الكريهة*.

*وكل ما كان له رائحة كريهة كالدخان فإنه يلحق بالثوم والبصل ونحوهما بمنعهم من المسجد حتى يستعمل ما يزيل الرائحة الكريهة*.

*ويلحق بذلك من كان به رائحة مؤذية من إبطيه ونحوهما، تعميماً للعلة التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم*.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.     نشر في كتاب فتاوى إسلامية من جمع محمد المسند ص13 ج2 .

قال ابن عبد البر رحمه الله : ﻭﺇﺫا ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻌﻠﺔ ﻓﻲ ﺇﺧﺮاﺟﻪ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﺃﻧﻪ ﻳﺘﺄﺫﻯ ﺑﻪ ﻓﻔﻲ اﻟﻘﻴﺎﺱ ﺃﻥ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺘﺄﺫﻯ ﺑﻪ ﺟﻴﺮاﻥﻫ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﺑﺄﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺫﺭﺏ اﻟﻠﺴﺎﻥ ﺳﻔﻴﻬﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻣﺴﺘﻄﻴﻼ ﺃﻭ ﻛﺎﻥ ﺫا ﺭﻳﺤﺔ ﻗﺒﻴﺤﺔ ﻻ ﺗﺮﻳﻤﻪ ﻟﺴﻮء ﺻﻨﺎﻋﺘﻪ ﺃﻭ ﻋﺎﻫﺔ ﻣﻮﺫﻳﺔ ﻛﺎﻟﺠﺬاﻡ ﻭﺷﺒﻬﻪ ﻭﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺘﺄﺫﻯ ﺑﻪ اﻟﻨﺎﺱ ﺇﺫا ﻭﺟﺪ ﻓﻲ ﺃﺣﺪ ﺟﻴﺮاﻥ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻭﺃﺭاﺩﻭا ﺇﺧﺮاﺟﻪ ﻋﻦ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻭﺇﺑﻌﺎﺩﻩ ﻋﻨﻪ ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﻟﻬﻢ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻌﻠﺔ ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻴﻪ ﺣﺘﻰ ﺗﺰﻭﻝ ﻓﺈﺫا ﺯاﻟﺖ ﺑﺈﻓﺎﻗﺔ ﺃﻭ ﺗﻮﺑﺔ ﺃﻭ ﺃﻱ ﻭﺟﻪ ﺯاﻟﺖ ﻛﺎﻥ ﻟﻪ ﻣﺮاﺟﻌﺔ اﻟﻤﺴﺠﺪ .

التمهيد ٤٢٣/٦

(المسألة الثانية): في فوائده:

فيه: حسن أخلاقه ﷺ.

وفيه: جواز أكل الثوم لحاجة

وفيه:  التداوي بالثوم.

وفيه: الأدب في استئذان الكبير أو العالم عند إرادة أخذ يده.

وفيه: أن صدر الرجل ليس بعورة.

وجاء في (فتح المنعم):

– استدل من أحدى إخراج من وجد منه ريح الثوم والبصل ونحوهما من المسجد.

– واستدل من أحدى أيضًا على إزالة المنكر باليد لمن أمكنه ذلك.

قال النووي في شرح مسلم عقيب حديث : لقد رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا وجد ريحا من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ، هذا فيه إخراج من وجد منه ريح نحو : البصل في المسجد إزالة للمنكر باليد لمن أمكنه .

===

تخريج الحديث الذي علقه البخاري :

وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ البَصَلَ مِنَ الجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا :

وأما الحديث الذي أورده البخاري تعليقا فقال:

(وقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أكل الثوم والبصل من الجوع أو غيره فلا يقربن مسجدنا) فقال الحافظ: وله من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد: لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا في هذه البقلة والناس جياع. . . الحديث. قال ابن المنير في (الحاشية): ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بأكل الثوم في المنع من المسجد قال: وفيه نظر لأن آكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع والمجذوم علته سماوية قال: لكن قوله صلى الله عليه وسلم: من جوع أو غيره. يدل على التسوية بينهما. انتهى. وكأنه رأى قول البخاري في الترجمة وقول النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر فظنه لفظ حديث وليس كذلك بل هو من تفقه البخاري وتجويزه لذكر الحديث بالمعنى)

فالحديث لا يدل على المعنى الذي ذهب إليه البخاري لاحتمال أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم أن الحاجة والجوع هو الذي دفعهم إلى الأكل بل هذا هو الظاهر لأنه عليه الصلاة والسلام لو علم ذلك لعذرهم كما في حديث المغيرة هذا وعليه فالحديث يدل على الفرق بين المحتاج وغيره لا على التسوية بينهما كما توهم ابن المنير بسبب رواية البخاري للحديث بالمعنى. فتأمل

(ولم أر التقييد بالجوع وغيره صريحا لكنه مأخوذ من كلام الصحابي في بعض طرق حديث جابر وغيره فعند مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل البصل والكراث فغلبتنا الحاجة. . . الحديث

الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب (2/ 669)