170   جامع الأجوبة الفقهية ص 205

170   جامع الأجوبة الفقهية ص 205

مجموعة ناصر الريسي وسعيد الجابري

بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة

بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي

(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ،  نسأل الله أن تكون في ميزان  حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير  آل نهيان  صاحب الأيادي البيضاء  رحمه الله  ورفع درجته في عليين   ووالديهم  ووالدينا )

——-‘——-‘——–‘

——-‘——-‘——–‘

——-‘——-‘——–‘

باب المسح على الخفين

مسألة 4  :  هل تشمل الرخصة للمسافر  سفر معصية  ؟  يعني رخصة  المسح على الخفين

♢-  جواب ناصر الريسي:

اتفق الفقهاء على جواز مسح الخفين للعاصي في سفره، وهو من عقد السفر من أجل أمر مباح، لكن فعل فيه أمورا محرمة، كالغيبة، وشرب الدخان، وسماع الغناء وغيرها من الامور المحرمة، فهذا عاص في سفره، وليس عاصيا بسفره.

حيث جاء في حاشية الدسوقي (1/ 358): “قوله غير عاص به أي بسببه وفهم من قوله به أن العاصي فيه كالزاني وشارب الخمر يقصر الصلاة وهو كذلك اتفاقا”. انتهى

وقال الصاوي من المالكية في حاشيته (1/ 153): ” بخلاف المعصية في السفر، فلا تمنع اتفاقا كالسفر لتجارة، ثم تعرض له معاص”. انتهى

وقال النووي في المجموع (4/ 224): ” أما العاصي في سفره، وهو من خرج في سفر مباح وقصد صحيح، ثم ارتكب معاصي في طريقه كشرب الخمر وغيره، فله الترخص بالقصر وغيره بلا خلاف؛ لأنه ليس ممنوعا من السفر، وإنما يمنع من المعصية، بخلاف العاصي بسفره “. انتهى

♢-  ثم اختلفوا في العاصي بسفره وهو الذي أنشأ سفرا لقصد محرم كارتكاب فاحشة، أو إبرام عقدٍ ربوي، أو لقطع طريق ونحو ذلك. وهذه هي نقطة البحث.

فهذا النوع من السفر العلماء فيه على أربعة أقوال:

الأول: جواز المسح مطلقا، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن حزم.

الثاني: لا يمسح ما زاد على اليوم والليلة مطلقا، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة.

الثالث: لا يمسح مطلقا لا مسح مقيم، ولا مسح مسافر، وهو وجه في مذهب الشافعية.

الرابع: التفصيل في نوع الرخصة فقالوا: كل رخصة جازت في الحضر كالمسح على الخفين والتيمم، وأكل الميتة، فتفعل، ولو كان عاصيا بسفره، وكل رخصة تختص بالسفر، كقصر الصلاة، والفطر في رمضان، فشرطه ألا يكون عاصيا بسفره، فلا تفعل، وهذا مذهب المالكية.

انظر: مراقي الفلاح (ص: 163)، حاشية ابن عابدين (1/ 124)، المحلى (3/ 185)، المغني (2/51)، الإنصاف (1/ 169)، المجموع (1/ 510)، حاشية الدسوقي (1/ 143)، الخرشي (1/ 179).

♢-  قال المرداوي في “الإنصاف” (1/ 176): (العاصي بسفره: حكمه حكم المقيم على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. وقال في الفروع: ويحتمل أن يمسح عاص بسفره كغيره، ذكره ابن شهاب. وقيل: لا يمسح مطلقا عقوبة له).

♢-  قال الشافعي في الأم (1/ 119): ” وليس لأحد سافر في معصية أن يقصر، ولا يمسح مسح المسافر، فإن فعل أعاد، ولا تخفيف على من سفره في معصية “.

♢-  دليل من قال بجواز المسح:

الدليل الأول:

النصوص في الكتاب والسنة مطلقة، لم تفرق بين مسافر وآخر، قال تعالى في سورة البقرة {فمن كان منكم مريضا أو على سفر}.

وقال – صلى الله عليه وسلم -: ” يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليها ” فلو كان سفر المعصية غير داخل في النصوص لبينه الشرع {وما كان ربك نسيا}، ولا يجوز تقييد ما أطلقه الله سبحانه، وأطلقه رسوله – صلى الله عليه وسلم – إلا بنص أو إجماع، وما دام الإذن مطلقا بالمسح فلا مانع أن يمسح المسافر، ولو كان عاصيا بسفره.

الدليل الثاني:

أن السفر نفسه لا يوصف بطاعة ولا معصية، وإنما تكون المعصية أو الطاعة مما يفعل فيه، فلا يقال: سفر طائع، أو عاصي، وإنما يتصف بالطاعة والمعصية العبد بحسب أفعاله.

التعليل الثالث:

أن المقيم قد يكون على معصية وظلم للمسلمين وعدوان عليهم وفي ذلك ما هو أشد أحيانا من سفر المعصية بل أنكم ترون المسح على الخفين من باب الرخص، ومع ذلك تسمحون للمقيم أن يمسح، ولو كانت إقامته للمعصية، فيكون استباح الرخصة بالمعصية، فينتقض دليلكم.

التعليل الرابع:

القياس على من نوى سفرا مباحا، ثم نوى المعصية بعده، فإذا كان هذا يمسح، فكذلك العاصي بسفره؛ إذ لا فرق.

قال النووي في المجموع (4/ 223): ” فأما من خرج بنية سفر مباح، ثم نقله إلى معصية، ففيه وجهان مشهوران، حكاهما الشيخ أبو حامد والبندنيجي وجماعات من العراقيين وإمام الحرمين وجماعات من الخرسانيين. أحدهما: يترخص بالقصر وغيره؛ لأن السفر انعقد مباحا مرخصا فلا يتغير، قال إمام الحرمين: وهذا ظاهر النص. وأصحهما: لا يترخص من حين نوى المعصية؛ لأن سفر المعصية ينافي الترخص. الخ كلامه رحمه الله.

التعليل الخامس:

قال الحنفية: نحن لا نجعل المعصية سببا في الرخصة، وإنما السبب لحوق المشقة الناشئة من نقل الأقدام، والحر والبرد وغير ذلك، والمحظور ما يجاوره من المعصية، فكان السفر من حيث إفادته الرخصة مباحا؛ لأن ذلك مما يقبل الانفصال.

♢-  واستدل الذين قالوا: لا يمسح بأدلة منها:

الدليل الأول:

قوله تعالى في سورة البقرة، آية: 173 {من اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}.

وقال تعالى في سورة المائدة، آية: 3 {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}.

وجه الدلالة:

أن الله أباح الأكل لمن لم يكن عاديا ولا باغيا، فلا يباح لباغ ولا عاد.

وأجيب:

بأن المراد بالباغي: من يأكل فوق حاجته، والعادي: من يأكل هذه المحرمات، وهو يجد عنها مندوحة، فليس في الآية دليل على ما ذكرتم. وهذا قول قتادة، والحسن، ورجحه ابن جرير الطبري في تفسيره.

الدليل الثاني:

الإجماع، نقل النووي الإجماع على أن الرجل إذا كان سفره معصية كقطع الطريق، وإباق العبد أنه لا يمسح ثلاثة أيام بلا خلاف.

وأجيب:

أن دعوى الإجماع فيها نظر؛ فإن الحنفية لا يفرقون بين العاصي بسفره، والعاصي في سفره، فكلاهما يحل له الترخص عندهم.

قال في مراقي الفلاح (ص: 163): ” فيقصر فرض الرباعي من السفر، ولو كان عاصيا بسفره، كآبق من سيده، وقاطع طريق، لإطلاق الرخصة “.

الثالث:

أن ما زاد على اليوم والليلة إنما يستبيحه بسبب السفر، وسفره معصية، والقاعدة تقول أن الرُخص لا تُناط بالمعاصي.

قال ابن قدامة رحمه الله: ((وَلِأَنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ لِلْإِعَانَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصِدِ الْمُبَاحِ، تَوَصُّلًا إلَى الْمَصْلَحَةِ؛ فَلَوْ شُرِعَ هَاهُنَا لَشُرِعَ إعَانَةً عَلَى الْمُحَرَّمِ، تَحْصِيلًا لِلْمَفْسَدَةِ؛ وَالشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا، وَالنُّصُوصُ وَرَدَتْ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ أَسْفَارُهُمْ مُبَاحَةً، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي مَنْ سَفَرُهُ مُخَالِفٌ لِسَفَرِهِمْ؛ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ النَّصَّيْنِ، وَقِيَاسُ الْمَعْصِيَةِ عَلَى الطَّاعَةِ بَعِيدٌ؛ لِتَضَادِّهِمَا)اهـ.((المغني)) (2/ 194).

الرابع:

أن في منعه من ترخص السفر كالمسح والقصر والفطر ونحوها تذكيرا له في أن يتوب، ويرجع عما عصى الله فيه.

وأجيب ؛ عن دليلهم:

لو أنه ترك التيمم إذا احتاج لاستعمال الماء، فهو بين أن نلزمه باستعمال الماء في الطهارة ويهلك، وإهلاك النفس مفسدة كبرى لا يمكن أن يأمر بها الشرع، وبين أن يترك الصلاة فلا يتيمم، ولا يغتسل، ومن ثم لا يصلي، وترك الصلاة طامة كبرى، وبين أن يتيمم ويؤدي الصلاة، ويأثم بسفره، وهو أخف الضررين، ويوافق يسر الشريعة.

والله أعلم.

—-

 مشاركة سيف بن دورة :

والصحيح – ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله – أن المسافر له قصر الصلاة، ولو كان سفر معصية؛ وذلك لأمرين:

الأول: أن القصر عزيمة، لا رخصة.

الثاني: أن أدلة الباب عامة ولم تُفرق بين سفر الطاعة وسفر المعصية؛ فوجب حملها على عمومها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ جَعَلَ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ مَشْرُوعًا فِي جِنْسِ السَّفَرِ وَلَمْ يَخُصَّ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ؛ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ أَطْلَقَا السَّفَرَ قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الْآيَةَ، وَكَمَا تَقَدَّمَتِ النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَنْقُلْ قَطُّ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَصَّ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ السَّفَرَ يَكُونُ حَرَامًا وَمُبَاحًا، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ السَّفَرِ لَكَانَ بَيَانُ هَذَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَلَوْ بَيَّنَ ذَلِكَ لَنَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ، وَمَا عَلِمْتُ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا)اهـ.

((مجموع الفتاوى)) (24/ 109).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ((وذهب الإِمام أبو حنيفة وشيخ الإِسلام ابن تيمية وجماعة كثيرة من العلماء؛ إلى أنه لا يشترط الإِباحة لجواز القصر وأن الإِنسان يجوز أن يقصر حتى في السفر المحرم، وقالوا: إن هذا ليس برخصة، فإن صلاته الركعتين في السفر، ليست تحويلاً من الأربع إلى الركعتين، بل هي من الأصل ركعتان، والرخصة هو التحويل من الأثقل إلى الأخف، أما صلاة المسافر فهي مفروضة من أول الأمر ركعتين، وعلى هذا فيجوز للمسافر سفراً محرماً أن يصلِّي ركعتين، ولا يشترط على هذا الرأي إباحة السفر.

وهذا القول قول قوي

((الشرح الممتع)) (4/ 350).