2622 فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح  صحيح مسلم 

2622 فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح  صحيح مسلم 

شارك محمد البلوشي  وعبدالله المشجري   وعبدالله البلوشي ابوعيسى ،  وعبدالله كديم  وطارق أبي تيسير وعبدالحميد البلوشي  وأحمد بن علي وعبدالملك

بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة

بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي

(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ،  نسأل الله أن تكون في ميزان  حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير  آل نهيان  صاحب الأيادي البيضاء  رحمه الله  ورفع درجته في عليين   ووالديهم  ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم  وذرياتنا )

——-‘——-‘——–‘

——-‘——-‘——–‘

——-‘——-‘——–‘

(٤٠) – (بابُ: فَضْلِ الضُّعَفاءِ، والخامِلِينَ)

[٦٦٥٩] (٢٦٢٢) – حَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ،

عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رَسُولَ اللهِ – ﷺ – قالَ: «رُبَّ أشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالأبْوابِ، لَوْ أقْسَمَ عَلى اللهِ لأبَرَّهُ».

==========

التمهيد:

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى في رياض الصالحين: “32- باب: فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين.

قَالَ الله تَعَالَى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف:28].

1/252- عن حَارِثَة بْنِ وهْبٍ رضي الله عنه، قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجنَّةِ؟ كُلُّ ضَعيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَم عَلَى اللَّه لأبرَّه، أَلا أُخْبِرُكُمْ بَأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)). متفقٌ عَلَيهِ.

2/253- وعن أَبي العباسِ سهلِ بنِ سعدٍ الساعِدِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: مرَّ رجُلٌ عَلَى النَّبيِّ ﷺ فقالَ لرجُلٍ عِنْدهُ جالسٍ: ((مَا رَأيُكَ فِي هَذَا؟)) فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَب أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَع أَنْ يُشَفَّعَ، فَسَكَتَ رسولُ اللَّه ﷺ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخرُ، فَقَالَ لَهُ رسولُ اللَّه ﷺ: ((مَا رأيُكَ فِي هَذَا؟)) فَقَالَ: يَا رسولَ اللَّه، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هذَا حريٌّ إِنْ خطَب أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَع أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَع لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: ((هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هذَا)) متفقٌ عَلَيهِ.

3/254- وعن أَبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قَالَ: ((احْتجَّتِ الجنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: فيَّ الجبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ، وقَالتِ الجَنَّةُ: فيَّ ضُعفَاءُ النَّاسِ ومسَاكِينُهُم، فَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُما: إِنَّكِ الجنَّةُ رحْمتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذابِي أُعَذِّب بِكِ مَنْ أَشَاءُ، ولِكِلَيكُمَا عَلَيَّ مِلؤُها)) رواه مسلم.”. انتهى.

سيأتي بيان لهذه الأحاديث إن شاء الله تعالى.

أحاديث في الباب:

قال الإمام البخاري:

٢٨٨٧ – وَزَادَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ ‌فِي ‌السَّاقَةِ كَانَ ‌فِي ‌السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ»، وَقَالَ : فَتَعْسًا: كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَأَتْعَسَهُمُ اللَّهُ، طُوبَى: فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ، وَهِيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الوَاوِ وَهِيَ مِنْ يَطِيبُ ”

«صحيح البخاري» (4/ 34)

أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:

قال الحافظ النووي رحمه الله:

(٤٠) – (بابُ: فَضْلِ الضُّعَفاءِ، والخامِلِينَ)

قال الإمام مسلم رحمه الله:

[٦٦٥٩] (٢٦٢٢) – حَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ،

عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رَسُولَ اللهِ – ﷺ – قالَ:

«رُبَّ أشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالأبْوابِ، لَوْ أقْسَمَ عَلى اللهِ لأبَرَّهُ».

(أبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ مولاهم المدنيّ.

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:

أنه من خماسيّات المصنّف- رحمه الله تعالى -، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، فالعلاء من الخامسة، وأبوه من الثالثة.

شرح الحديث:

(عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ) – رضي الله عنه – (أنَّ رَسُولَ اللهِ – ﷺ – قالَ: «رُبّ») كلمة «رُبّ» أصلها للتقليل، وكَثُر استعمالها في التكثير، وتلحقها كلمة «ما»، فتدخل على الجُملة، قاله في «العمدة». [«عمدة القاري» ٤/ ٢٦٦].

وقال وليّ الدين العراقيّ -رحمه الله -: «رب» فيها ست عشرة لغة … انتهى [«فيض القدير» ٤/ ١٤].

(أشْعَثَ)قال المناويّ -رحمه الله -: «أشعث»؛ أي: ثائر الشعر، مُغَبَّره، قد أخَذ فيه

الجَهْد، حتى أصابه الشعث، وغلبته الغُبْرة. انتهى. [«فيض القدير» ٤/ ١٤].

(مَدْفُوع بِالأبْوابِ)قال المناويّ: «مدفوع بالأبواب»؛ أي: يُدفَع عند إرادته الدخول على الأعيان، والحضور في المحافل، إما باللسان، أو اليد واللسان؛ احتقارًا له، فلا يُتْرَك أن يلج الباب فضلًا أن يقعد معهم، ويجلس بينهم. [«فيض القدير» ٤/ ١٤].

(لَوْ أقْسَمَ عَلى اللهِ لأبَرَّهُ»)؛ أي: لو حلف على وقوع شيء، أوقعه الله تعالى إكرامًا له بإجابة سؤاله، وصيانته من الحِنث في يمينه، وهذا لعظيم منزلته عند الله تعالى، وإن كان حقيرًا عند الناس، وقيل: معنى القَسَم هنا الدعاء، وإبراره إجابته. [«شرح النوويّ» ١٦/ ١٧٤ – ١٧٥].

وقال المناويّ -رحمه الله-: «قال في «المغني»: وليست هي للتقليل دائمًا خلافًا للأكثر، ولا للتكثير دائمًا

خلافًا لابن درستويه، وجَمْعٍ، بل للتكثير كثيرًا، وللتقليل قليلًا. انتهى. [«فيض القدير» ٤/ ١٤ – ١٥].

وقال القرطبيّ -رحمه الله-: «…

قَسَم على الله في شيء لأجابه الله تعالى فيما سأله؛ إكرامًا له، ولطفًا به، وهذا

كما تقدَّم من قول أنس بن النضر – رضي الله عنه -: «لا والله لا تُكْسَر ثنيّة الرُّبَيِّع أبدًا» [متّفقٌ عليه]

فأبرّ الله قَسَمه، بأن جعل في قلوب الطالبين للقصاص الرضا بالدية، بعد أن أبوا قبولها.

وكنحو ما اتَّفَق للبراء – رضي الله عنه – لَمّا التقى بالكفار، فاقتتلوا، فطال القتال،

وعَظُم النزال، فقال البراء: أقسمت عليك يا رب، أو عزمت عليك، لتمنحنا

أكتافهم، ولتلحقني بنبيّك – ﷺ -، فأبرّ الله قَسَمه [الحاشية: ذكر ابن حبّان في «مشاهير علماء الأمصار» ١/ ١٣: (٣٧) في ترجمة البراء بن مالك بن النضر النجاريّ الخزرجيّ، وهو أخو أنس بن مالك، من صالحي

الأنصار، ومتقشفيهم، قال النبيّ – ﷺ -: «رب أشعث أغبر ذي طمرين، لا يُؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه، منهم البراء بن مالك»، خرج البراء غازيًا، فلقي زحفًا من المشركين بناحية السوس، فقاتلهم فيمن معه من المسلمين، فقالوا: يا براء إن

رسول الله – ﷺ – قال: «لو أقسمت على الله لأبرّك»، فأقْسِم على ربك، فقال:

أقسمت عليك يا رب، لَمّا منحتنا أكتافهم، فمُنحوا أكتافهم، وقُتل البراء شهيدًا،

وذلك سنة ثلاث وعشرين. انتهى]،

فكان كذلك، ولقد أبعد من قال: إن القَسَم هنا هو الدعاء من جهة اللفظ والمعنى. انتهى [«المفهم» ٦/ ٦٠٩ – ٦١٠]، والله تعالى أعلم.

وحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – هذا من أفراد المصنّف -رحمه الله-.

[البحر المحيط الثجاج، بتصرف يسير].

[تنبيه]:

” أن أرباب الأعمال، بل والدعاة إلى الله يعتنون بفئات معينة من الناس ؛ فصاحب الذكاء، والرجل القيادي ، وصاحب الشخصية الجذابة . ويرى هؤلاء أن الرجل الصالح – مهما بلغ من التقى والزهد والعبادة – ما لم يكن يحمل مواصفات القيادية فليس هو المؤهل لتولي المسؤولية.

وهذا أمر لا نزاع فيه؛ فقد قال – تعالى – على لسان ابنة شعيب: {إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص:26].

لكن لا يسوغ أن يدعونا شعورنا بكون فلان أوْلى بهذه المسؤولية إلى التقليل من شأن الآخر، فضلاً عن أن ننظر بازدراء أو استخفاف لمن نعتقد أنَّا قد فُضِّلنا عليه بالعقل والإدراك ؛ فهذا مزلق خطير، وهو من باب غمط الناس وازدارئهم، ولن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.

بل [والدعوة] اليوم تحتاج لطائفة من الصالحين الصادقين الذين لا يأبه لهم الناس، ولو لم يتولوا مسؤوليات وأعباء فلعلها تُنصر وتُوفق بدعائهم وصدقهم مع الله تعالى”.

ثانيًا: ملحقات:

(أولاً):

فعن حَارِثَة بْنِ وهْبٍ رضي الله عنه، قَالَ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجنَّةِ؟ كُلُّ ضَعيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَم عَلَى اللَّه لأبرَّه، أَلا أُخْبِرُكُمْ بَأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)). متفقٌ عَلَيهِ.

( كُلُّ ضَعِيفٍ)

أي: هم كلُّ ضعيف عن أذى الناس، أو عن المعاصي، ملتزم الخشوع،

والخضوع بقلبه، وقالبه. انتهى. [»فيض القدير” ٣/ ١٠١].

وقوله: (مُتَضَعَّفٍ) بكسر العين، وبفتحها، وهو أضعف، وفي رواية الإسماعيليّ: «مستضعف»، وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند الحاكم: «الضعفاء المغلوبون»، وله من حديث سُراقة بن مالك: «الضعفاء المغلوبون»،

ولأحمد من حديث حذيفة: «الضعيف المستضعف، ذو الطِّمرين، لا يُؤْبَهُ له».

والمراد بالضعيف: مَن نفسه ضعيفة؛ لتواضعه، وضَعف حاله في الدنيا،

والمستضعَف المحتقَر لخموله في الدنيا، قاله في «الفتح». [«الفتح» ١١/ ١٧، «كتاب التفسير» رقم (٤٩١٨)].

وقال في «الفتح»: قوله: «كل ضعيف»: قال أبو البقاء: «كل» بالرفع لا

غير، والتقدير: هم كل ضعيف إلخ، والمراد بالضعيف: الفقير،

و«المستضعف» بفتح العين المهملة، وغلط من كسرها؛ لأن المراد: أن الناس

يستضعفونه، ويقهرونه، ويحقرونه، وذكر الحاكم في «علوم الحديث» أن ابن

خزيمة سئل من المراد بالضعيف هنا؟ فقال: هو الذي يبرئ نفسه من الحول

والقوة في اليوم عشرين مرة إلى خمسين مرة، وقال الكرمانيّ: يجوز الكسر،

ويراد به: المتواضع المتذلل. انتهى. [«الفتح» ١٥/ ٢٩٤، «كتاب الأيمان والنذور» رقم (٦٦٥٧)].

وقال القارى رحمه الله: قوله: «كل ضعيف» بالرفع، على تقدير «هو»، وفي

نسخة بالجرّ على البدلية، قال: والأظهر أن معناه: أنه ليس بمتكبر جبار،

ويدل عليه قرينته الآتية، فالحكم كليّ، لا غالبيّ، على ما سيجيء.

وقوله: «متضعف» بفتح العين، وتُكسر، من باب التأكيد، كجنود مجندة،

والقناطير المقنطرة، وظل ظليل، وفائدةُ التاء الموضوعة للطلب أن الضعف

الحاصل فيه، كأنه مطلوب منه التذلل والتواضع، مع إخوانه، وإن كان قويًّا

مترجِّلًا مع أعدائه؛ قال تعالى: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح ٢٩]،

وقال: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة ٥٤]، ففيه إشارة إلى أن كل من كَثُر تواضعه مع المؤمنين يكون في أعلى مراتب المقربين، كما أن من يكون

أكثر تكبرًا وتجبرًا يكون في أسفل السافلين.

وقال النوويّ: ضبطوه بفتح العين، وكسرها، والمشهور الفتح، ومعناه:

يستضعفه الناس، ويحتقرونه، ويتجرؤون عليه؛ لِضَعف حاله في الدنيا، يقال: تضعّفه، واستضعفه، وإما على الكسر فمعناه: متواضع، متذلل، خامل، واضع

من نفسه، والمراد: أن أغلب أهل الجنة هؤلاء، كما أن معظم أهل النار

القِسم الآخر، وليس المراد الاستيعاب في الطرفين. انتهى. [»شرح النوويّ«١٧/ ١٨٧، و»مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح«١٤/ ٤٠٩ – ٤١٠].

(لَوْ أقْسَمَ عَلى اللهِ)؛ أي: في فِعل شيء، أو تركه، (لأبرَّهُ«)؛ أي:

لأمضاه على الصدق، وجعله بارًّا غير حانث في طلبه من الحقّ، وقال الطيبيّ؛

أي: لو حلف يمينًا على شيء أن يقع طمعًا في كرم الله تعالى بإبراره لأبرّه،

وأوقعه لأجله [»مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح«١٤/ ٤١٠]،

وقيل: هو كناية عن إجابة دعائه. [»الفتح«١٥/ ٢٩٤،»كتاب الأيمان والنذور«رقم (٦٦٥٧)].

(ثُمَّ قالَ) – ﷺ -: (»ألا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النّارِ؟ «)؛ أي: بعلاماتهم التي يُعرفون

بها بين الناس، (قالُوا: بَلى) أخبرنا بها يا رسول الله، (قالَ) – ﷺ -: (كُلُّ عُتُلٍّ)

بضم العين المهملة، والمثناة، بعدها لام ثقيلة، قال الفراء: الشديد الخصومة،

وقيل: الجافي عن الموعظة، وقال أبو عبيدة: العُتُلّ: الفظّ الشديد من كل

شيء، وهو هنا الكافر، وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن: العتلّ:

الفاحش الآثم، وقال الخطابيّ: العتلّ: الغليظ العنيف، وقال الداوديّ: السمين

العظيم العنق والبطن، وقال الهرويّ: الجَمُوع المنوع، وقيل: القصير البطن.. [»الفتح” ١١/ ١٧].

(جَوّاظٍ) بفتح الجيم، وتشديد الواو، وآخره ظاء معجمة: الكثير اللحم،

المختال في مشيه، حكاه الخطابيّ، وقال ابن فارس: قيل: هو الأكول،

وقيل: الفاجر، وأخرج هذا الحديث أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة، عن

وكيع، عن الثوريّ بهذا الإسناد مختصرًا: «لا يدخل الجنة جَوّاظ، ولا جَعْظَرِيّ«. قال: والجواظ: الفظّ الغليظ. انتهى، وتفسير الجواظ لعله من سفيان، والجعظريّ بفتح الجيم، والظاء المعجمة، بينهما عين مهملة، وآخره راء مكسورة، ثم تحتانية ثقيلة، قيل: هو الفظّ الغليظ، وقيل: الذي لا يَمْرَض،

وقيل: الذي يتمدح بما ليس فيه، أو عنده، وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن

عمر، أنه تلا قوله تعالى: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾، إلى: ﴿زَنِيمٍ﴾ [القلم ١٢، ١٣] فقال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول:»أهل النار كل جَعْظَريّ جَوّاظ مستكبر«[«الفتح» ١١/ ١٧].

وقوله: (مُسْتَكْبِرٍ»)؛ أي: متكبر عن الحقّ، أو على أهله، قال في

«العمدة»: المراد: أن هؤلاء أغلب أهل الجنة، وهؤلاء أغلب أهل النار، وليس المراد الاستيعاب في الطرفين، والله تعالى أعلم.

وقال الإمام مسلم رحمه الله:

[٧١٦١] عن حارِثَةَ بْنَ وهْبٍ الخُزاعِيَّ يَقُولُ: قالَ

رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «ألا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ، مُتَضَعَّفٍ، لَوْ أقْسَمَ

عَلى اللهِ لأبَرِّهُ، ألا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النّارِ؟ كُلُّ جَوّاظٍ، زَنِيمٍ، مُتَكَبِّرٍ».

وقوله: (زنِيمٍ) بفتح الزاي، وكسر النون: هو الدعيّ في النسب الملصق بالقوم، وليس منهم؛ تشبيهًا له بالزنمة، وهي شيء يقطع من أذن الشاة، ويترك معلقًا بها، ذكره الطيبيّ، وهو المناسب للآية الواردة في حقّ الوليد بن المغيرة، وأضرابه، وأما الحديث فينبغي أن يفسَّر بالمعنى الأعم، وهو اللئيم المعروف بلؤمه أو شرّه على ما في «القاموس».

[فائدة]: اختُلف في الذي نزلت فيه الآية: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾……قاله في «الفتح» [»الفتح” ١١/ ١٦].

قال الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى معلقًا على أحاديث الرياض:

” بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على الفضل الكبير للفقراء من المسلمين إذا صبروا واحتسبوا، وأنهم خير من الأغنياء والأشراف الذين لم يقوموا بالواجب كما قاموا هم، ولهذا قال جل وعلا: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} يعني: احبسها {مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]،

فأمر سبحانه نبيَّه: أن يكون مع أصحاب الحاجة والمسكنة وأهل الدين والاستقامة، وألا ترتفع عينُه عنهم إلى غيرهم من ذوي الجاه والشرف ونحو ذلك.

والمقصود من هذا كله:

إذا استقاموا على دين الله فإنَّ الفقر والحاجة لا يضرهم، فقد صبر الأنبياء على الفقر، وصبر غيرهم من أهل الإيمان والتقوى، فما ضرّهم ذلك، فإذا استقام العبدُ على دين الله وعلى فقره وصبره فله خيرٌ عظيمٌ وأجر كبير،

وأهل النار: هم أهل الجفاء، والغفلة، والإعراض، والتكبر، والمعصية، وأهل الجنة: هم أهل الاستقامة، والطاعة لله، وإن كانوا فقراء.

و أن أهل الفقر والحاجة أقرب إلى السلامة، بخلاف أهل المال والجاه، فقد يغرّهم مالهم، وتغرهم مناصبهم وشرفهم؛ فيقعون فيما حرَّم الله،  وليس معنى هذا أنه يطلب الفقر، لا، معناه أنه يصبر إذا أُصيب، ولكن يطلب الرزقَ، يطلب الأعمال التي تُعينه على طاعة الله، وتُغنيه عن عباد الله : {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق:2]، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق:4]، فالصبر كله خير: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46].

، و مَن رُزق مع ذلك شرفًا أو مالًا أو وظائفَ واستقام على دين الله فله خيرٌ عظيمٌ إذا اتَّقى فيها ربَّه، واستقام على دين الله، فلا تضره الأموال ولا الوظائف إذا استقام على دين الله، بل تنفعه؛ فقد يكون أفضل من كثيرٍ من الفقراء إذا بذل ما أعطاه الله في وجوه الخير، من المال، والجاه، ونحو ذلك.

ولهذا جاء في الحديث الصحيح: لما اشتكى فقراءُ المسلمين وقالوا: يا رسول الله، ذهب أهلُ الدُّثور بالأجور: يُصلون كما نُصلِّي….. فقال النبيُّ ﷺ: ((ذلك فضل الله يُؤتيه مَن يشاء)). “.[الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى].

وسبق الحديث عن الكبر، وما يترتب عليه في (٣٨ – بابُ تَحْرِيمِ الكِبْرِ) من صحيح مسلم.

فتبين بهذا أن صحة الجسد وقوته, وكثرة المال, والتنعم بشهوات الدنيا, والتكبر والتعاظم على الخلق وهي صفات أهل النار التي ذكرت في حديث حارثة بن وهب, هي جماع الطغيان والبغي؛ كما قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [ العلق:6-7] والطغيان وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها من موجبات النار؛ كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:37-39]. وحفت الجنة بالمكاره  وحفت النار بالشهوات

وفي (صحيح مسلم) عن عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته:

((وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق, ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم, وعفيف متعفف ذو عيال.

وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له, الذين هم فيكم تبعاً لا يبغون أهلاً, ولا مالاً. والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه, ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك)) وذكر البخل, والكذب, والشنظير الفحاش [رواه مسلم (2865)

ففي هذا الحديث جعل النبي صلى الله عليه وسلم أهل الجنة ثلاث أصناف……

والثالث: العفيف المتعفف, ذو العيال, وهو من يحتاج إلى ما عند الناس فيتعفف عنهم, وهذا أحد نوعي الجود أعني العفة عما في أيدي الناس لا سيما مع الحاجة.

وأما أهل النار فقد قسمهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خمسة أصناف.

والصنف الأول منهم: الضعيف، الذي لا زبر له، ويعني بالزبر: القوة والحرص على ما ينتفع به صاحبه في الآخرة من التقوى والعمل الصالح,

قال بعض رواة الحديث: يعني الشدة في الحق, ولما حدث مطرف بن عبدالله بحديث عياض بن حمار هذا وبلغ قوله: ((الضعيف الذي لا زبر له)) فقيل له: أو يكون هذا؟ قال: نعم والله, لقد أدركتهم في الجاهلية وإن الرجل ليرعى على الحي ماله إلا وليدتهم يطؤها [رواه مسلم (2865)]، …….. وهذا القسم شر أقسام الناس, ونفوسهم ساقطة, لأنهم ليس لهم همم في طلب الدنيا ولا الآخرة, وإنما همه شهوة بطنه وفرجه كيف اتفق له، وهو تبع للناس خادم لهم أو طواف عليهم سائل لهم”. [الموسوعة العقدية، بتصرف].

تنبيه : في  [شرح محمد فؤاد عبد الباقي]

[ ش (فيكون ذلك؟ يا أبا عبد الله) أبو عبد الله هو مطرف بن عبد الله والقائل له قتادة وقوله لقد أدركتهم في الجاهلية لعله يريد أواخر أمرهم وآثار الجاهلية وإلا فمطرف صغير عن إدراك زمن الجاهلية حقيقة وهو يعقل

(ثانيًا): حَقِيقَةُ السِّرِّ

جاء في كتاب مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين [ابن القيم]:

فَصْلٌ: وَمِنْهَا مَنْزِلَةُ السِّرِّ

قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ:

بَابُ السِّرِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} [هود: 31] أَصْحَابُ السِّرِّ: هُمُ الْأَخْفِيَاءُ الَّذِينَ وَرَدَ فِيهِمُ الْخَبَرُ.

أَمَّا اسْتِشْهَادُهُ بِالْآيَةِ، فَوَجْهُهُ: أَنَّ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُمْ، وَآثَرُوا اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ عَلَى قَوْمِهِمْ وَأَصْحَابِهِمْ قَدْ أَوْدَعَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ سِرًّا مِنْ أَسْرَارِ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ، خَفِيَ عَلَى أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، فَنَظَرُوا إِلَى ظَوَاهِرِهِمْ، وَعَمُوا عَنْ بَوَاطِنِهِمْ فَازْدَرَوْهُمْ وَاحْتَقَرُوهُمْ، وَقَالُوا لِلرَّسُولِ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ عَنْكَ، حَتَّى نَأْتِيَكَ وَنَسْمَعَ مِنْكَ، وَقَالُوا: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] فَقَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [هود: 31] قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا اتَّبَعُونِي فِي بَادِي الرَّأْيِ وَظَاهِرِهِ، فَلَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَطَّلِعَ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا رَأَيْتُ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ عَمِلْتُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَرَدَدْتُ عِلْمَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ إِلَى اللَّهِ، وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ، إِذْ أَهَّلَهُمْ لِقَبُولِ دِينِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلِيمٌ حَكِيمٌ، يَضَعُ الْعَطَاءَ فِي مَوَاضِعِهِ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53]

فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهَّلَهُمْ لِلْهُدَى وَالْحَقِّ، وَحَرَمَهُ رُؤَسَاءَ الْكُفَّارِ وَأَهْلَ الْعِزَّةِ وَالثَّرْوَةِ مِنْهُمْ، كَأَنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِعَطَاءِ الدُّنْيَا عَلَى عَطَاءِ الْآخِرَةِ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُؤَهِّلُهُ لِذَلِكَ لِسِرٍّ عِنْدَهُ: مِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِ النِّعْمَةِ، وَرُؤْيَتِهَا مِنْ مُجَرَّدِ فَضْلِ الْمُنْعِمِ، وَمَحَبَّتِهِ وَشُكْرِهِ عَلَيْهَا. وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ عِنْدَهُ هَذَا السِّرُّ. فَلَا يُؤَهَّلُ كُلُّ أَحَدٍ لِهَذَا الْعَطَاءِ.

قَوْلُهُ: أَصْحَابُ السِّرِّ: هُمُ الْأَخْفِيَاءُ الَّذِينَ وَرَدَ فِيهِمُ الْخَبَرُ

قَدْ يُرِيدُ بِهِ: حَدِيثَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. حَيْثُ قَالَ لَهُ ابْنُهُ: أَنْتَ هَاهُنَا وَالنَّاسُ يَتَنَازَعُونَ فِي الْإِمَارَةِ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» .

وَقَدْ يُرِيدُ بِهِ: قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ»، وَقَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَقَدْ «مَرَّ بِهِ رَجُلٌ: فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا حَرِيٌّ، إِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ….»”. انتهى. ثم ذكر ثلاثة طبقات لأصحاب السر.

(ثالثُا): مراتب ومنازل ودرجات أهل الجنة:

ثبت في نصوص الوحيين المرغبة في أعمال الخير، والدالة على أن أهل الجنة يتفاضلون فيها بحسب أعمالهم، وتختلف مراتبهم ودرجاتهم فيها، كما نطق بذلك الكتاب والسنة؛ قال تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} {الأنعام:132}.

قال ابن الجوزي رحمه الله: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ:  أي منازل ومراتب بحسب ما اكتسبوه من إيمان وكفر، فيتفاضل أهل الجنة في الكرامة، وأهل النار في العذاب. انتهى.

وظاهر النصوص أنهم يحسون بالتفاوت، ولكن لا يحسد بعضهم بعضا؛ فقد قال الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} {الحجر:47}.

قال الواحدي: نزع الغل إنما هو لئلا يحسد بعضهم بعضًا في تفاضل منازلهم، وتفاوت مراتبهم في الجنة، واختار الزجاج هذا. فقال: وحقيقته -والله أعلم- أنه لا يحسد بعض أهل الجنة بعضًا؛ لأن الحسد غلّ. انتهى.

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.

قال القرطبي: شبه رؤية الرائي في الجنة صاحب الغرفة، برؤية الرائي الكوكب المضيء الباقي في جانب الشرق والغرب في الاستضاءة مع البعد، وفائدة ذكر المشرق والمغرب: بيان الرفعة وشدة البعد، والمراد بالأفق: السماء. وفي رواية لمسلم: من الأفق من المشرق والمغرب. انتهى.

ولا يعارض هذا الحديث  حديث  آخر من يدخل الجنة((فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا، وَأَحْيَانَا لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: ‌مَا ‌أُعْطِيَ ‌أَحَدٌ ‌مِثْلَ ‌مَا ‌أُعْطِيتُ))

وكذلك عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً ، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ : تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنْ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ) .

رواه مسلم (274) .

قال ابن عطية الأندلسي – رحمه الله – :

وكلُّ مَن فيها قد رُزق الرضا بحاله ، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول ، وإن كنَّا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم ، على قدر أعمالهم ، وعلى قدر فضل الله على من شاء .

” المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ” ( 2 / 91 ) .

قال  هذا دليل على أن الجنة ما فيها هم ولا غم ولا حزن، يخيل إليه أنه أحسن الناس، وهناك غيره أحسن! لأن كل من كان في الجنة فهو راض بما حصل له فيها من النعيم.

«توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم» (1/ 359) للشيخ عبدالعزيز الراجحي

ومن الأسباب المعينة على نيل أعلى الجنة:

1) حفظ القرآن وتلاوته بترتيل، والعمل به، فعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وكذا قال الألباني رحمهما الله تعالى.

قال الخطابي: فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءًا منه كان رقيه من الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة. انتهى.

وجاء في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي:… جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءاً منه، كان رقيه في الدرج على ذلك، فيكون منتهى الثواب على منتهى القراءة. اهـ.

وفي عون المعبود شرح سنن أبي داود: صاحب القرآن: من يلازمه بالتلاوة والعمل والتدبر.. لا من يقرؤه ولا يعمل به. اهـ.

2) حسن الخلق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه. رواه أبو داود، وحسنه الألباني.

3) الدعاء: كما في حديث البخاري: إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة. انتهى. [مراتب ومنازل ودرجات أهل الجنة].

4). شفاعة الشافعين .

وفي ذلك حديثان :

أ. عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ) – وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ – ثُمَّ قَالَ : ( اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ ) .

رواه البخاري ( 4067 ) ومسلم ( 2498 ) .

ب. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ ) فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ : ( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ) ثُمَّ قَالَ ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ) .

رواه مسلم ( 920 ) .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

والنوع الثاني : شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ، ورفعة الدرجات .

” حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ” ( 13 / 56 ) .

واستدل – رحمه الله – على كلامه بالحديثين السابقين .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في بيان أنواع الشفاعة – :

” النوع الثالث : الشفاعة في رفع درجات المؤمنين ، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أبي سلمة …” .

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 9 / 326 ) .

5). دعاء واستغفار الولد لوالده .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ) .

رواه ابن ماجه ( 3660 ) ، وحسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1598 ) .

6) إلحاق الآباء بدرجة الأبناء والعكس .

قال تعالى ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور/ 21 .

وعن ابن عباس قال : ” إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه ” ، وهو أثر صحيح ، له حكم الرفع ، وانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 2490 ) .

وردت بعض الأحاديث التي تدل على أن أهل الدرجات العليا ، إذا أرادوا أن يزوروا من هم دونهم : فإنهم يهبطون إليهم ، ولا يصعد أهل الدرجات الدنيا إلى أعلى ، لكنها لا تصح ؛ فمن ذلك :

  1. عن أبي سلام الأسود قال : سمعتُ أبا أمامة قال : سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل يتزاور أهل الجنة ؟ قال : ( نعم ، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى ، فيحيونهم ، ويسلمون عليهم ، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين ، تقصر بهم أعمالهم ) .

رواه ابن أبي حاتم في ” تفسيره ” ( 10 / 3371 ) .

وفيه ضعف ، فيه سعيد بن يوسف .

قال يحيى بن معين : ضعيف الحديث ، ليس بالقوي .

” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 1 / 327 ) .

  1. عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يتزاور أهل الجنة على نوق عليها الحشايا ، فيزور أهل عليين من أسفل منهم ، ولا يزور من أسفل منهم أهل عليين إلا المتحابين في الله فإنهم يتزاورون من الجنة حيث شاؤوا ) .

رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 8 / 240 ) .

وفيه : بِشر بن نُمير ، متروك ، وقد اتهم بالوضع .

قال الهيثمى – رحمه الله – :

فيه بشر بن نمير وهو متروك .

” مجمع الزوائد ” ( 10 / 496 ) .

“الحشايا” : هى الفرش المحشوة .

  1. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” برقم ( 421 ) من طريق جعفر بن الزبير ، وبشر بن نمير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة مرفوعا بنحوه .

وجعفر بن الزبير : متروك ، وقد اتهم بالوضع .

وبشر بن نمير : متروك ، كما سبق .

  1. ( إذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيقول أحدهما لصاحبه : تعلم متى غفر الله لنا ؟ فيقول صاحبه : نعم يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا ) .

وهو حديث ضعيف ، انظر ”  السلسلة الضعيفة ” ( 5029 ) .

وأعلى ما تم الوقوف عليه من كلام أهل العلم في المسألة هو ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” ( 422 ) عن حميد بن هلال قال : بلغنا أن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل ، ولا يزور الأسفل الأعلى .

وحميد من التابعين ، وإسناده إليه صحيح ، فالله أعلم بحقيقة الحال .

والله أعلم

(رابعًا): ما جاء عن الفقراء والضعفاء:

1) أول من يدخل الجنة:

روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رضي اللهُ عنهما: عَن رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: “هَلْ تَدْرُونَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الْفُقَرَاءُ الْمُهَاجِرُونَ، الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وَيُتَّقَى بِهِمُ الْمَكَارِهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً”[ مسند الإمام أحمد” (11 /131) (برقم 6570)، وقال محققوه: إسناده جيد].

وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ”[ سنن الترمذي” (برقم 2353)، وقال: هذا حديث حسن صحيح].

2) الفقراء هم أكثر أهل الجنة:

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عِمْرَانَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ”[ صحيح البخاري” (برقم 5198)، و”صحيح مسلم” (برقم 2737)].

3) الفقراء هم أتباع الأنبياء والرسل:

روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما: “أَنَّ هِرَقلَ مَلِكَ الرُّومِ سَأَلَ أَبَا سُفيَانَ عَن أَتبَاعِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم هَل هُم أَشْرَافُ النَّاسِ، أَو ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقَالَ: بَل ضُعَفَاؤُهُمْ، فَقَالَ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ”[ صحيح البخاري” (برقم 7)].

4) أمر الله نبيه صلى اللهُ عليه وسلم بملازمة الفقراء، والضعفاء، والمكث معهم، فإن ذلك أبعد عن مظاهر الدنيا وفتنتها:

روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي اللهُ عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فِي سِتَّةِ نَفَرٍ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ نَسِيتُ اسمَيهِمَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الأنعام: 52][ صحيح مسلم” (برقم 2413)].

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم يَمْتَثِلُ أَمْرَ رَبِّهِ، وَيَقُولُ: “اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَومَ القِيَامَةِ”[ سنن الترمذي” (برقم 2352)، وصححه الألباني في صحيح “سنن الترمذي” (2 /275) (برقم 1917)]. والمسكنة المقصود الخشوع والتواضع

5) ابْتُلِيَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم وأصحابُه بالجوع الشديد فصبروا حتى أغناهم الله:

روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ عُمَرَ رضي اللهُ عنه قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَظَلُّ الْيَوْمَ يَتَلَوَّى، مَا يَجِدُ دَقَلًا[الدَّقَل: التمر الرديء] يَمْلُأَ بَطْنَهُ[“صحيح مسلم” (برقم 2978)].

قَالَ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَأتِي ضُعَفَاءَ المُسلِمِينَ، وَيَزُورُهُم، وَيَعُودُ مَرضَاهُم، وَيَشهَدُ جَنَائِزَهُم[“مستدرك الحاكم” (3 /270) (برقم 3787)، وصححه الألباني في “صحيح الجامع الصغير” (برقم 4877)].

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها قَالَتْ: “مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ، يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ صلى اللهُ عليه وسلم”. [ “صحيح البخاري” (برقم 5374)، و”صحيح مسلم” (برقم 2970) واللفظ له].

قال ابن كثير في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 8]. أي: كنت فقيرًا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر، والغني الشاكر. [“تفسير ابن كثير” (14 /385)].

وروى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ رضي اللهُ عنه، قَالَ: كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ، وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمُصُّ الجِلدَ، وَالنَّوَى مِنَ الجُوعِ [“صحيح البخاري” (برقم 3159)].

وَيَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِن كُنتُ لَأَعتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرضِ مِنَ الجُوعِ، وَإِن كُنتُ لَأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطنِي مِنَ الجُوعِ. [“صحيح البخاري” (برقم 6452)].

وَيَقُولُ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ رضي اللهُ عنه: وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم، وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا يَضَعُ الْبَعِيرُ أَوِ الشَّاةُ، مَا لَهُ خِلْطٌ، قَالَ الشُّرَّاحُ: أَي: لِجَفَافِهِ وَيُبْسِهِ[“صحيح البخاري” (برقم 3728)، و”صحيح مسلم” (برقم 2966)].

6) قد يحتقر الفقير في مجتمعه ولكنه عند الله بمنزلة عظيمة:

روى البخاري في صحيحه مِن حَدِيثِ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ رضي اللهُ عنه، أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٌ: “مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟”، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَن يُنْكَحَ، ….” [“صحيح البخاري” (برقم 6447)].

7) أخبر النبي صلى اللهُ عليه وسلم أن الرزق والنصر يكون بسبب الضعفاء:

روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي الدَّردَاءِ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “أَبْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ، وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ”. [“مسند الإمام أحمد” (36 /60) (برقم 21731)، وقال محققوه: إسناده صحيح. وأصل الحديث في البخاري (برقم 2896)].

8) بيَّن النبي صلى اللهُ عليه وسلم أن الساعي على الأرملة، والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالصائم القائم:

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ”[ “صحيح البخاري” (برقم 6006)، و”صحيح مسلم” (برقم 2982) واللفظ له].

9) بيَّن النبي صلى اللهُ عليه وسلم أن شر الطعام طعام الوليمة التي لا يُدعى إليها الفقراء:

روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيهِ الْأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ المَسَاكِينُ”[ “صحيح مسلم” (برقم 1432)].

10) خيرُ الفقراءِ المُتَعَفِّفُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ [البقرة: 273].

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا”[ “صحيح البخاري” (برقم 1476)، و”صحيح مسلم” (برقم 1039)].

ويُروَى عَن عَونِ بنِ عَبدِ اللِه بنِ عُتْبَةَ قَالَ: صَحِبْتُ الأَغنِيَاءَ فَلَم أَرَ أَحَدًا أَكبَرَ هَمًّا مِنِّي، أَرَى دَابَّةً خَيرًا مِن دَابَّتِي، وَثَوبًا خَيرًا مِن ثَوبِي، وَصَحِبْتُ الفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ[سنن الترمذي، باب ما جاء في ترقيع الثوب، برقم (1780)].[الفقراء والضعفاء]

(خامسًا): أسباب إجابة الدعاء:

“السبب الأول طول السفر:

لأن المسافر عادة يكون منكسر القلب، ويكون متواضعا للرب؛ ولذلك ورد أن دعوة المسافر مستجابة سيما إذا كان سفره بعيدا

السبب الثاني كونه أشعث أغبر:

أشعث يعني رأسه منتفش منتشر الشعر مغبر شعره ومغبر أيضا بدنه؛ وذلك لعدم تفرغه للعنايه بنفسه .

السبب الثالث أنه يمد يديه إلى السماء حالة دعائه:

وهذا أيضا من أسباب إجابة الدعاء قال النبي -صلى الله عليه وسلم-  إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا  أي خاليتين

السبب الرابع تكراره للدعوات وللرب:

توسله بقوله: يا رب يا رب يتوسل إلى الله بأنه ربه وبأنه مربيه ويعترف بأنه المالك له الرب هو المالك الرب هو المربي.

(سادسًا):  ذكر الحديث في بيان إباحة القسم

قال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في (شرح مشكل الآثار):

“بابُ بَيانِ مُشْكِلِ ما رُوِيَ عَنْهُ ﵇ فِي حَدِيثِ الظُّلَّةِ الَّذِي ذَكَرْناهُ فِي البابِ الَّذِي قَبْلَ هَذا البابِ مِن قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ فِيهِ: «لا تُقْسِمْ».

هَلْ هُوَ لِكَراهِيَةِ القَسَمِ أمْ لِما سِوى ذَلِكَ ؟

فَطَلَبْنا الحَقِيقَةَ فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنا اللهَ تَعالى قَدْ ذَكَرَ القَسَمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة ٢] فِي مَعْنى: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ وكانَتْ (لا) فِيهِما صِلَةً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة ٧٥] فِي مَعْنى: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وكانَتْ (لا) فِي ذَلِكَ صِلَةً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم ١٧] فَكانَ ذَلِكَ عَلى قَسَمِهِمْ أنْ يَصْرِمُوها مُصْبِحِينَ، وكانَ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ فِي ذَلِكَ أنْ يَصِلُوهُ بِالرَّدِّ إلى مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ قَسَمَهُمْ، وأنْكَرَ تَرْكَهُمْ تَعْلِيقَ ذَلِكَ إلى مَشِيئَةِ اللهِ فِيهِ.

ثُمَّ نَظَرْنا فِيما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمّا يَدُلُّ عَلى الحَقِيقَةِ كانَتْ فِي ذَلِكَ:

٦٧٤ – وقَدْ وجَدْنا ابْنَ أبِي داوُدَ حَدَّثَنا قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي حازِمٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «رُبَّ أشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ تَنْبُو عَنْهُ أعْيُنُ النّاسِ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللهِ لَأبَرَّهُ».

وذكر أحاديث أخرى

فَعَقَلْنا بِما تَلَوْنا مِن كِتابِ الله وبِما رَوَيْنا مِن آثارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إباحَةَ القَسَمِ؛ لِأنَّ القَسَمَ لَوْ كانَ مَكْرُوهًا لَكانَ مُسْتَعْمِلُهُ عاصِيًا ولَما أبَرَّ اللهُ قَسَمَهُ، فَقالَ قائِلٌ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ حِينَ أقْسَمَ عَلَيْهِ «لا تُقْسِمْ» قِيلَ لَهُ: إنَّ قَسَمَ أبِي بَكْرٍ كانَ عَلَيْهِ لِيُخْبِرَهُ بِحَقِيقَةِ الخَطَأِ مِن حَقِيقَةِ الصَّوابِ، وكانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَوْصُولٍ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ المَعْنى؛ لِأنَّ العِبارَةَ إنّما هِيَ بِالظَّنِّ والتَّحَرِّي لا بِما سِواهُما، ، ومِمّا قَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ قَدْ أقْسَمَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلّىالله عليه وسلم. كَما حَدَّثَنا ابْنُ أبِي داوُدَ حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنا أُمَيَّةُ بْنُ خالِدٍ حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ -[١٦١]- قَدِ اسْتَعْمَلَ عُمَرَ عَلى الشّامِ فَلَقِيَهُ أبِي وأنا أشُدُّ الإبِلَ بِأقْتابِها فَلَمّا أرادَ أنْ يَرْتَحِلَ قالَ لَهُ النّاسُ: أتَدَعُ عُمَرَ يَنْطَلِقُ إلى الشّامِ وهُوَ هاهُنا يَكْفِيكَ الشّامَ؟ فَقالَ: «أقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَما أقَمْتَ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَوْضِعَ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ كانَ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ؛ لِما قَدْ ذَكَرْنا لا لِما سِواهُ مِن كَراهِيَةِ القَسَمِ، وقَدْ أقْسَمَ ابْنُ عَبّاسٍ بَعْدَ أبِي بَكْرٍ أيْضًا  واللهَ تَعالى نَسْألُهُ التَّوْفِيقَ”. انتهى مختصرًا

(سابعًا): الفوائد:

1 – “(منها): بيان ما يُكرم الله -تعالى- عبده المؤمن بكرامة إجابة دعائه،

وإعطاء ما يسأله، ويتمنّاه.

2 – (ومنها): بيان أن المظاهِر ليست معيار معرفة أولياء الله تعالى، كما هو المعروف لدى عامّة الناس، بل الكثير خلاف ذلك، فكثيرًا ما تكون عناية الله -تعالى- عند الخاملين، فالمدار التقوى، ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].

3 – (ومنها): ما قاله بعضهم: إنما قال النبيّ – ﷺ -: «ربّ أشعث إلخ»؛يُعَلِّمك أن الزينة إنما هي بلباس التقوى [«فيض القدير» ٤/ ١٤ – ١٥].

[حكاية]: ذكر المناويّ في «فيض القدير» حكاية غريبة، ذكرتُها للاعتبار،

وهي أن بعضهم كان مجاب الدعوة، وكان كلّ من دعا عليه مات لوقته، وأراد

جِماع زوجته، فقالت: الأولاد متيقظون، فقال: أماتهم الله، فكانوا سبعة،

فماتوا كلهم، فصَلَّوا عليهم بُكرة النهار، فبلغ البرهان المتولي، فأحضره،

وقال: أماتك الله، فمات، وقال: لو بقي لأمات خلقًا كثيرًا. انتهى. [«فيض القدير شرح الجامع الصغير» للمناويّ ٤/ ١٥].

قال [الأثيوبي] عفا الله عنه: إنما ذكرت هذه الحكاية؛ لئلا يغترّ بها الجهلة، وذلك أن الكرامة بإجابة الدعوة من جملة نِعم الله -تعالى-، لا يجوز صرفها إلا فيما فيه نَفْع للإسلام والمسلمين، فإن بعض الجهلة من العبّاد الزهاد إذا رأوا أن الله تعالى استجاب دعاءهم، بغوا، وطغوا، وأفسدوا في الأرض، وظلموا عباد الله تعالى، فإياك، ثم إياك أن تكون منهم، فتهلك مهلكهم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [البحر المحيط الثجاج].

4 – (ومنها): “الإنسان لا ينظر لغيره بعين الاحتقار، فلعل هذا الذي تحتقره أفضل منك عند الله عزوجل”.

5 – (ومنها): “الإشارة إلى أن كل من كَثُر تواضعه مع المؤمنين يكون في أعلى مراتب المقربين، كما أن من يكون أكثر تكبرًا وتجبرًا يكون في أسفل السافلين”.

6 – (ومنها): “المطلوب من المسلم أن يتذلل ويتواضع مع إخوانه، وإن كان قويًّا مترجِّلًا مع أعدائه”. ففي صحيح مسلم

2504 ( 170 )  عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا. قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ : ” يَا أَبَا بَكْرٍ، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ “. فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ : يَا إِخْوَتَاهْ، أَغْضَبْتُكُمْ ؟ قَالُوا : لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي.

7 – مما يعتقده المسلمون أن الجنة درجات ، وأن الله قد وعد الطائعين بمنازل في الجنة إن هم قاموا بما حثَّهم عليه من تلك الطاعات ، وما ذلك التفاضل بين أهل الجنة في المنازل  والدرجات إلا بسبب تفاضلهم في أعمال الطاعات في الدنيا .

قال تعالى : ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) الإسراء/ 21 ، وقال تعالى : ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) الأنعام/ من الآية132 .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

والجنَّة درجات ، متفاضلة تفاضلاً عظيماً ، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات : بحسب إيمانهم ، وتقواهم  .

” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 188 ) ، وينظر: ” تفسير السعدي ” ( ص 274 ) .

وقد ذكر الله تعالى وصفاً لجنان من خاف مقامه سبحانه وتعالى ، فقال : ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) الرحمن/ 46 – 48 ، فوصفهما ، ثم قال تعالى : ( وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ) الرحمن/ 62 ، فتبين به اختلاف الجنان بعضها عن بعض بحسب أعمال أهلها ، ومنزلتهم عند ربهم .

8  – قال القرطبي – رحمه الله – :

وقوله : ( والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) ولم يذكر عملاً ، ولا شيئاً سوى الإيمان ، والتصديق للمرسلين ؛ وذلك ليُعلم أنه عنى الإيمان البالغ ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية ، ولا تلجلج ، وإلا فكيف تُنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة ؟! ولو كان كذلك : كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات ، وأرفع الدرجات ، وهذا محال .

” التذكرة ” ( ص 398 ) .

9 – ليس ثمة حسد في الجنة ولا بغضاء ، وفي ذلك قال تعالى ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) الحجر/ 47 .

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ ، مِنَ الْحُسْنِ ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) .

رواه البخاري ( 3073 ) ومسلم ( 2834 ) .

10 .  حتى الرسول عند كفار قريش من المساكين الذين لا مال لهم

قال تعالى:

(وَقَالُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلࣲ مِّنَ ٱلۡقَرۡیَتَیۡنِ عَظِیمٍ ۝  أَهُمۡ یَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَیۡنَهُم مَّعِیشَتَهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضࣲ دَرَجَـٰتࣲ لِّیَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضࣰا سُخۡرِیࣰّاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ)

[سورة الزخرف 31 – 32]  ويراجع الآيات في المشابهة التي فيها احتقار الكفار للانبياء واتباعهم ويراجع معناها من كتب التفسير  .

11 –   قال ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين:

الميزان تقوى الله عز وجل، كما قال الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] ، فمن كان أتقى لله فهو أكرم عند الله، ييسر الله له الأمر، يجيب دعاءه، ويكشف ضره، ويبر قسمه.

وهذا الذي أقسم على الله لن يقسم بظلم لأحد، ولن يجترئ على الله في ملكه، ولكنه يقسم على الله فيما يرضي الله ثقة بالله عز وجل، أو في أمور مباحة ثقة بالله عز وجل.

12 –  و قال ابن عثيمين: قسم الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلى أقسام ثلاثة:

أهل النار دخلوا النار ـ أعاذنا الله وإياكم منها ـ، والفقراء دخلوا الجنة، والأغنياء من المؤمنين موقوفون محبوسون، إلى أن يشاء الله ,

أما أهل النار فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق أن عامة من دخلها النساء؛ أكثر من يدخل النار النساء؛ لأنهن أصحاب فتنة، ولهذا قال لهن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم عيد من الأعياد: ((يا معشر النساء، تصدقن، ولو من حليكن فإنكن أكثر أهل النار)) قالوا: يا رسول الله لم؟ قال: ((لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير)) .