4742  الفوائد المنتقاة على صحيح مسلم

4742  الفوائد المنتقاة على صحيح مسلم

مجموعة: إبراهيم البلوشي وأبي عيسى البلوشي وفيصل الشامسي وفيصل البلوشي وهشام السوري، وعبدالله المشجري، وسامي آل سالمين، وعلي آل رحمه، وكرم.

ومجموعة : طارق أبي تيسير،  ومحمد البلوشي، وعبدالحميد البلوشي،  وكديم، ونوح وعبدالخالق  وموسى الصوماليين، وخميس العميمي.

——-‘——‘——-

كتاب الفضائل

صحيح مسلم، بَابُ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهْلِ مِصْرَ

4742 –  حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي حَرْمَلَةُ، ح وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ وَهُوَ ابْنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ ، فَاخْرُجْ مِنْهَا قَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ ، يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ ، فَخَرَجَ مِنْهَا.

4743 –  حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيَّ ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا أَوْ قَالَ ذِمَّةً وَصِهْرًا ، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ ، فَاخْرُجْ مِنْهَا قَالَ : فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ ، وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا.

==========

تمهيد:

من رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بأمة الدعوة، وشفقته عليها، ومن وضعه لأصحابه قواعد معاملة غير المسلمين المنبثقة من الإحسان إلى من أساء، والعفو عمن ظلم، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين.

من هذه السياسة الإسلامية الحكيمة يوصي صلى الله عليه وسلم صحابته بأهل مصر، حين يفتحها المسلمون .

إن لهم عندنا معشر المسلمين حقا وحرمة، فهم آل هاجر أم إسماعيل وأم العرب، وهم أهل مارية التي تسراها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أم إبراهيم ابنه عليه السلام،   و الله تعالى في نبيه: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128][فتح المنعم]

أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:

( إنكم ستفتحون أرضا) أي بلدا، وفي الرواية الثانية إنكم ستفتحون مصر والخطاب للصحابة، وقد فتحوا مصر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وسُمِّيَتْ مِصْرُ بذلك؛ لأنَّ الذي بناها هُوَ مِصرُ بنُ بَيْصَرَ بنُ حَامِ بنِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السّلام،فسُمِّيت بِهِ. (تاج العروس للزبيدي جـ14صـ126)أسماء مصر:

قَالَ أَبو الخَطَّاب بن دِحيةَ: مِصرُ أَخْصَبُ بِلَاد الله، وسمَّاها اللهُ تَعَالَى بمِصْرَ وَهِي هَذِه دون غَيرهَا، وَمن أَسمائها: أُمُّ الْبِلَاد، والأَرضُ المُباركةُ، وغَوْثُ العِبادِ، وأُمُّ خَنُّور، وَتَفْسِيره:النِّعمةُ الْكَثِيرَةُ، وَذَلِكَ لما فِيهَا من الْخيرَات الَّتِي لَا تُوجد فِي غَيرهَا، وساكِنُها لَا يَخْلُو من خَيرٍ يَدِرُّ عَلَيْهِ فِيهَا، فكأَنَّها الْبَقَرَة الحَلوبُ النافعة. (تاج العروس للزبيدي جـ14صـ126)

( يذكر فيها القيراط) أي يستعمل فيها لفظ القيراط، وهو معيار في الوزن والقياس، واختلفت مقاديره باختلاف الأزمنة، وهو اليوم في الوزن أربع قمحات، وفي وزن الذهب خاصة ثلاث قمحات، وفي القياس جزء من أربعة وعشرين جزءا، ومن الفدان يساوي خمسة وسبعين ومائة متر.

( فاستوصوا بأهلها خيرا) السين والتاء للطلب، أي: ليطلب بعضكم من بعض الوصية بهم، أو ليطلب كل منكم من نفسه ومن غيره الوصية بهم، والإحسان إليهم، وفي رواية ( فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها ).

( فإن لهم ذمة ورحما) الجملة تعليلية وفي رواية ( فإن لهم ذمة ورحما )، أو قال: ذمة وصهرا والذمة بكسر الذال العهد والأمان والكفالة ، والأولى أن يراد بالذمة هنا الحق والحرمة، ويفسر هذا الحق بحق الرحم وصلته ، لكون هاجر أم إسماعيل وأم العرب منهم، والمراد بالصهر الوارد في  رواية  النسب لكون مارية – أم إبراهيم – منهم، وكانت سرية له صلى الله عليه وسلم .

( فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج منها)  أي في مصر، والمراد من المقاتلة المخاصمة والتنازع، في موضع لبنة فاخرج منها الخطاب والأمر بالخروج من مصر لأبي ذر، وهو مبني على رؤيته هو ومن عساه يرى معه خصومة رجلين في موضع لبنة، وجمعها لبن بفتح اللام وكسر الباء، وهو المضروب من الطين قوالب يبنى بها، دون أن تحرق.

والخصومة في مكانها من الأرض، قريبة من ملك هذا، أو من ملك ذاك.

وكان هذا في ذلك الوقت من الأمور التافهة التي لا يتقاتل عليها لسعة الأرض وضعف قيمتها.

وكأن ذلك علامة على فساد الأحوال، وشيوع الخصومات . وخص أبو ذر بذلك الخروج؛  طلبا للسلامة.    انتهى

قال الملا علي القاري رحمه الله في مرقاة المفاتيح:

(فاخرج)، أي: يا أبا ذر (منها) .

أي: من مصر، والظاهر المطابق لرأيتم أن يقال: فاخرجوا، ولعله – صلى الله عليه وسلم – خص الأمر به شفقة عليه من وقوعه في الفتنة لو أقام بينهم.

(قال) ، أي: أبو ذر (فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل) : بضم ففتح فسكون فكسر فسكون بلا انصراف (ابن حسنة) : بفتحات (وأخاه ربيعة) : لم يذكرهما المؤلف في أسمائه (يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها) .

وقد وقع هذا في آخر عهد عثمان حين عتبوا عليه ولاية عبد الله بن سعيد بن أبي سرح أخيه من الرضاعة، فهذا من قبيل ما كوشف للنبي – صلى الله عليه وسلم – من الغيب أنه ستحدث هذه الحادثة في مصر، وسيكون عقيب ذلك فتن وشرور بها كخروج المصريين على عثمان – رضي الله عنه – أولا، وقتلهم محمد بن أبي بكر ثانيا، وهو وال عليهم من قبل علي فاختبأ حين أحس بالشر في جوف حمار ميت فرموه بالنار، فجعل ذلك علامة وأمارة لتلك الفتن وأمر أبا ذر بالخروج منها حيثما رآه، وهذا هو الظاهر، وعليه اقتصر الشراح.

وقال الطيبي: أو علم أن في طباع سكانها خسة ومماكسة، كما دل عليه صدر الحديث، فإذا اقتضت الحال إلى أن يتخاصموا في هذا المحقر، فينبغي أن يتحرز عن مخالطتهم ويجتنب عن مساكنتهم .   انتهى

قال النووي رحمه الله :” قال العلماء : القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما ، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به .

وأما الذمة : فهي الحرمة والحق ، وهي هنا بمعنى الذمام .

وأما الرحم : فلكون هاجر أم إسماعيل منهم .

وأما الصهر : فلكون مارية أم إبراهيم منهم ” انتهى. ” شرح مسلم ” (16/97)

وقال المناوي رحمه الله :” أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم بإتيان أهلها خيراً ، أو معناه : اقبلوا وصيتي فيهم ، يقال أوصيته فاستوصى أي قبل الوصية ، يعني : إذا استوليتم عليهم ، وتمكنتم منهم ، فأحسنوا إليهم ، وقابلوهم بالعفو عما تنكرون ، ولا يحملنكم سوء أفعالهم وقبح أقوالهم على الإساءة إليهم ، فالخطاب للولاة من الأمراء والقضاة .

ثم علَّلَه بقوله : ( فإن لهم ذمة ) ذماماً وحرمة وأماناً من جهة إبراهيم بن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فإن أمه مارية منهم .

( ورحماً ) بفتح فكسر : قرابة ، لأن هاجر أم إسماعيل منهم ” انتهى. [فيض القدير (1/523-524)].

( قال: فمر بربيعة وعبد الرحمن، ابني شرحبيل بن حسنة يتنازعان في موضع لبنة، فخرج منها) القائل فمر عبد الرحمن بن شماسة المهري، الراوي عن أبي ذر، ويحتمل أنها من كلام أبي ذر على التجريد، أي: جرد من نفسه شخصا آخر يتحدث عنه، وصرح بدون تجريد في رواية ، ولفظها فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة، وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها.

مسائل تتعلّق بهذا الحديث:

(المسألة الأولي): ما ورد في شأن بلاد مصر

أولاً: الآيات.الآيات التي ورد فيها الحديث عن مصر (صراحة)، هي:

1 –  {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}(البقرة: 61)قال الإمامُ ابنُ جرير الطبري: اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: (مِصْرًا) فَقَرَأَهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ:(مِصْرًا) بِتَنْوِينِ الْمِصْرِ وَإِجْرَائِهِ؛ وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ وَحَذْفِ الْأَلْفِ مِنْهُ. فَأَمَّا الَّذِينَ نَوَّنُوهُ وَأَجْرُوهُ، فَإِنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ لَا مِصْرًا بِعَيْنِهِ.وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يُنَوِّنْ مِصْرَ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَنَى مِصْرَ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ بِعَيْنِهَا دُونَ سَائِرِ الْبُلْدَانِ غَيْرِهَا.(تفسير الطبري جـ1صـ:133:132)

وروى الإمامُ ابنُ جرير الطبري عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: فِي قَوْلِهِ: (اهْبِطُوا مِصْرًا) قَالَ: يَعْنِي بِهِ مِصْرَ فِرْعَوْنَ.(تفسير الطبري جـ1صـ134)

2 –  {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (يونس: 87)قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): يَذْكُرُ تَعَالَى سَبَبَ إِنْجَائِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَكَيْفِيَّةِ خَلَاصِهِمْ مِنْهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ (أَنْ تَبَوَّءَا) أَيْ: يَتَّخِذَا لِقَوْمِهِمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا. (تفسير ابن كثير جـ7صـ392)

3 –  {وَقَالَ الَّذِى اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21)

قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): يُخْبِرُ تَعَالَى بِأَلْطَافِهِ بِيُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ،أَنَّهُ قَيَّضَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ، حَتَّى اعْتَنَى بِهِ وَأَكْرَمَهُ، وَأَوْصَى أَهْلَهُ بِهِ، وَتَوَسَّمَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالْفَلَاحَ، فَقَالَ لِاِمْرَأَتِهِ:(أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)و َكَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ عَزِيزُهَا،وَهُوَ الْوَزِيرُ بِهَا. يَقُولُ تَعَالَى: وَكَمَا أَنْقَذْنَا يُوسُفَ مِنْ إِخْوَتِهِ، (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ) يَعْنِي: بِلَادَ مِصْرَ، (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) أَيْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَلَا يُرَدُّ وَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُخَالَفُ، بَلْ هُوَ الْغَالِبُ لِمَا سِوَاهُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) أَيْ: فَعَّالٌ لِمَا يَشَاءُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يَقُولُ:لَا يَدْرُونَ حِكْمَتَهُ فِي خَلْقِهِ، وَتَلَطُّفَهُ لِمَا يُرِيدُ. (تفسير ابن كثير جـ8صـ25:24)

4 –  {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} (يوسف: 99)قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ وُرُودِ يَعْقُوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقُدُومِهِ بِلَادَ  مِصْرَ، لَمَّا كَانَ يُوسُفُ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَى إِخْوَتِهِ أَنْ يَأْتُوهُ بِأَهْلِهِمْ أَجْمَعِينَ، فَتُحُمِّلُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَتَرَحَّلُوا مِنْ بِلَادِ كَنْعَانَ قَاصِدِينَ بِلَادَ مِصْرَ، فَلَمَّا أُخْبِرَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِاقْتِرَابِهِمْ خَرَجَ لِتَلَقِّيهِمْ،وَأَمَرَ الْمَلِكُ أُمَرَاءَهُ وَأَكَابِرَ النَّاسِ بِالْخُرُوجِ مَعَ يُوسُفَ لِتَلَقِّي نَبِيَّ اللَّهِ يَعْقُوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيُقَالُ:إِنَّ الْمَلِكَ خَرَجَ أَيْضًا لِتَلَقِّيهِ.(تفسير ابن كثير جـ8صـ72)

5 –  {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِى مِنْ تَحْتِى أَفَلا تُبْصِرُونَ}(الزخرف: 51)قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَتَمَرُّدِهِ وَعُتُوِّهِ وَكُفْرِهِ وَعِنَادِهِ: أَنَّهُ جَمَعَ قَوْمَهُ، فَنَادَى فِيهِمْ مُتَبَجِّحًا مُفْتَخِرًا بِمُلْكِ مِصْرَ وَتَصَرُّفِهِ فِيهَا: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) قَالَ قَتَادَةُ بنُ دعامة:قَدْ كَانَتْ لَهُمْ جِنَانٌ وَأَنْهَارُ مَاءٍ، (أَفَلا تُبْصِرُونَ)؟ أَيْ: أَفَلَا تَرَوْنَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْعَظْمَةِ وَالْمُلْكِ، يَعْنِي:وَمُوسَى وَأَتْبَاعُهُ فُقَرَاءُ ضُعَفَاءُ. (تفسير ابن كثير جـ12صـ316)وجاء في الآيات أيضًا :

6 – قال تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)(يوسف:56)

قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): يَقُولُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ) أَيْ: أَرْضِ مِصْرَ. قَوْلُهُ تعالى (يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) قَالَ السُّدِّيُّ،وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ:يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ.وَقَالَ مُجَاهِدٌ بنُ جَبرٍ: إنَّ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ،وَلَّاهُ مَلك مِصْرَ،الريانُ بْنُ الْوَلِيدِ، الْوَزَارَةَ فِي بِلَادِ مِصْرَ، مَكَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ زَوْجِ الَّتِي رَاوَدَتْهُ، وَأَسْلَمَ الْمَلِكُ عَلَى يَدَيْ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. (تفسير ابن كثير جـ8صـ52)

7 –  قال جَلَّ شأنه: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ)(المؤمنون:20)قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله): قَوْلُهُ تعالى (وَطُورُ سَيْنَاءَ): هُوَ طُورُ سِينِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّم اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ الَّتِي فِيهَا شَجَرُ الزَّيْتُونِ. (تفسير ابن كثير جـ10صـ118)

8 –  قال سُبحانه: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)(الأعراف:137)قال الليثُ بنُ سعد(رحمه الله): هي مصر؛ بارك فيها بالنيل. (حسن المحاضرة للسيوطي جـ1صـ8)

9 –  قال جلَّ شأنه: (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ)(يونس:93)قال القرطبي: أَيْ مَنْزِلَ صِدْقٍ مَحْمُودٍ مُخْتَارٍ، يَعْنِي مِصْرَ. (تفسير القرطبي جـ8صـ351)

——–‘——-‘——-‘

ثانيًا: الأحاديث الواردة عن مصر.

ورد في شأن بلاد مصر أحاديث ، بعضها صحيح ، وبعضها لا يصح ، فمما ورد من ذلك :

أ.  الأحاديث الصحيحة:الحديث الأول : ( إِذَا افْتَتَحْتُمْ مِصْرًا فَاسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا ) .

قَالَ الزُّهْرِيُّ : ” فَالرَّحِمُ أَنَّ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ مِنْهُمْ ” .

رواه الحاكم في ” المستدرك ” (4032) عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مرفوعا ، وصححه على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي ، وصححه الألباني في “الصحيحة” (1374) على شرط الشيخين أيضا .

الحديث الثاني 🙁 إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا) . وهو حديث الباب الذي  رواه مسلم (2543) عن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا.

وسبق نقل قول الحافظ النووي والمناوي في شرح الحديث.

الحديث الثالث 🙁 اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً ، وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ ).رواه الطبراني في ” المعجم الكبير” (561) عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعا ، وصححه الألباني في ” الصحيحة ” (3113) .

الحديث الرابع 🙁 إِنَّكُمْ سَتَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ ، جُعْدٌ رُءُوسُهُمْ ، فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا ، فَإِنَّهُمْ قُوَّةٌ لَكُمْ ، وَبَلَاغٌ إِلَى عَدُوِّكُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ) يَعْنِي قبطَ مِصْرَ .رواه أبو يعلى (1473) عن أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ وَعَمْرو بْن حُرَيْثٍ وَغَيْرهمَا .

وقال الهيثمي :

” رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ” انتهى من “مجمع الزوائد” (10/ 64) .

الحديث الخامس 🙁 مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا ، وَمَنَعَتِ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا ، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ ) .

رواه مسلم (2896) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مرفوعا .

وذكره ابن عدي  في الكامل في الضعفاء  في ترجمة  سهيل بن أبي صالح

قال الخطابي رحمه الله :

” المد مكيال أهل الشام ، يقال إنه يسع خمسة عشر ، أو أربعة عشر ،مكوكا، والإردب مكيال لأهل مصر ، ويقال إنه يسع أربعة وعشرين صاعا.

ومعنى الحديث : أن ذلك كائن، وأن هذه البلاد تفتح للمسلمين، ويوضع عليها الخراج، شيئا مقدراً بالمكاييل والأوزان، وأنه سيمنع في آخر الزمان”.

انتهى من”معالم السنن” (3/ 35) .

الحديث السادس 🙁 سَيْحَانُ ، وَجَيْحَانُ ، وَالْفُرَاتُ ، وَالنِّيلُ : كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ). رواه مسلم (2839) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا .

ومن الأحاديث الباطلة والواهية في شأن مصر :

الحديث الأول:

” الجيزة روضة من رياض الجنة، ومصر خزائن الله في الأرض”.

أخرجه أبو نعيم في ” نسخة نبيط بن شريط ” (337) من طريق أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط أبي جعفر الأشجعي قال: حدثني أبي إسحاق بن إبراهيم بن نبيط قال : حدثني أبي إبراهيم بن نبيط عن جده نبيط بن شريط مرفوعا.

وأورده الألباني في “الضعيفة” (889) وقال : ” موضوع “.

الحديث الثاني :

( مصر كنانة الله في أرضه ) .

هذا الحديث لا أصل له ، ولم يرو في كتب السنة ، وقد نص العلماء على ذلك :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

” هذا مأثور لكن ما أعرف إسناده ” انتهى.” أحاديث القصاص ” (ص/87)

يقول بدر الدين الزركشي رحمه الله : ” لم أجده ” انتهى. التذكرة ” (ص/191)

وقال السخاوي رحمه الله :” لم أره بهذا اللفظ في مصر ” انتهى. ” المقاصد الحسنة ” (ص/609)

وقال السيوطي رحمه الله : ” لا أصل له ” انتهى.

” الدرر المنتثرة ” (ص/17)

وقال الشيخ مرعي الكرمي رحمه الله:

” لا أصل له ” انتهى.

” الفوائد الموضوعة ” (ص/107)

وقال الشيخ الألباني رحمه الله :” لا أصل له ” انتهى. ” السلسلة الضعيفة ” (رقم/888)

والكنانة هي الجعبة الصغيرة من الجلد لحفظ النبل والسهام ، فكأن هذا الأثر يشبه مصر بكنانة السهام التي يصيب الله تعالى بها الطغاة والظالمين والمتجبرين ، فيرميهم بأهلها الذين هم جند الله، ولذلك جاء في بعض الكتب تكملة الأثر السابق بقولهم : ما طلبها عدو إلا أهلكه الله.

وقد ورد نحو هذا الأثر في بلاد الشام أيضاً :

يقول الملا علي قاري رحمه الله :” وقد ورد لفظ الكنانة في الشام ، أخرجه ابن عساكر عن عون بن عبد الله بن عتبة قال : قرأت فيما أنزل الله على بعض الأنبياء أن الله يقول : الشام كنانتي ، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم . موضوع مبناه ، وإن كان صحيحاً عندنا معناه ” انتهى. ” الأسرار المرفوعة ” (ص/319)

الحديث الثالث :

عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض ) فقال له أبو بكر : ولم ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( لأنهم في رباط إلى يوم القيامة ) .

أخرج هذه الخطبة ابن عبد الحكم (ت257هـ) في ” فتوح مصر ” (ص/189) ، والدارقطني في ” المؤتلف والمختلف ” (2/1003) ، ومن طريقه ابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” (46/162) ، وأخرجها ابن زولاق الحسن بن إبراهيم الليثي (ت 387هـ) في ” فضائل مصر ” (ص/83) ، وعزاه المقريزي في ” إمتاع الأسماع ” (14/185) لابن يونس .

جميعهم من طريق ابن لهيعة ، عن الأسود بن مالك الحميري ، عن بحير بن ذاخر المعافري، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه .

وهذا إسناد ضعيف ، فيه علل ثلاثة :عبد الله بن لهيعة : قال الذهبي رحمه الله في ” الكاشف ” (ص/590): ” العمل على تضعيف حديثه ” انتهى.الأسود بن مالك : لم أقف له على ترجمة .بحير بن ذاخر المعافري : ترجم له البخاري في ” التاريخ الكبير ” (2/138)، وابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” (2/411)، والذهبي في ” تاريخ الإسلام ” (7/326) ولم يذكر فيه أحد جرحا ولا تعديلا، وإنما ذكره ابن حبان في ” الثقات ” (4/81).وبهذا يتبين أن الحديث ضعيف جدا

الحديث الرابع :عن ابن شهاب قال : ( بارك النبي صلى الله عليه وسلم في عسل بنها ). وبنها مدينة من مدن بلاد مصر.رواه ابن معين في “تاريخه” (4/478) من طريق ليث عن ابن شهاب قال : ( بارك النبي صلى الله عليه و سلم في عسل بنها ) .

وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في “الضعيفة” (1258) من هذا الطريق وقال : منكر .

وذكره الحافظ في “الإصابة” (6/376) من طريق هانئ بن المتوكل حدثنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب ، فذكره في قصة ، ولفظه ( وأعجبه العسل فدعا في عسل بنها بالبركة ) .

وهذا إسناد مرسل ضعيف ، ابن لهيعة كان قد احترقت كتبه واختلط ، انظر “تهذيب التهذيب” (5 /329) .

وهانئ بن المتوكل قال ابن حبان : كان تدخل عليه المناكير ، وكثرت ، فلا يجوز الاحتجاج به بحال ”

“ميزان الاعتدال” (4 /291)

ويزيد بن أبي حبيب من صغار التابعين .

فالحديث في الدعاء لبنها ، أو فضل عسلها : لا يصح .

الحديث الخامس:قال ابن كثير رحمه الله :” روينا من طريق ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال : لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص – حين دخل بؤونة من أشهر العجم – فقالوا : أيها الأمير ، لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها . قال: وما ذاك ؟ قالوا: إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها ، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل .فقال لهم عمرو : إن هذا مما لا يكون في الإسلام ، إن الإسلام يهدم ما قبله .قال : فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا ، حتى هموا بالجلاء ، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك ، فكتب إليه : إنك قد أصبت بالذي فعلت ، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي ، فألقها في النيل .فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها ” من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر : أما بعد ، فإن كنت إنما تجري من قبلك ومن أمرك فلا تجر فلا حاجة لنا فيك ، وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار ، وهو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك “قال : فألقى البطاقة في النيل ، فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة ، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم ” انتهى من “البداية والنهاية” (7 /114-115)وهكذا رواه ابن عبد الحكم في “فتوح مصر” (ص165) واللالكائي في “شرح اعتقاد أهل السنة” (6/463) وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (44 /336) وأبو الشيخ في “العظمة” (4/1424) من طريق ابن لهيعة به .وهذا إسناد ضعيف لا يصح ، ولا يثبت بمثله هذا الخبر ، وابن لهيعة ، واسمه عبد الله بن لهيعة بن عقبة ، ضعيف كان قد اختلط ، وهو مع ذلك مدلس ، راجع “التهذيب” (5/327-331) ، “ميزان الاعتدال” (2/475-484)

وقيس بن الحجاج صدوق من الطبقة السادسة عند الحافظ ابن حجر ، وهم الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة . انظر : “تقريب التهذيب” (1 /25) .وكان تارة يرويه مرسلا ، وتارة يرويه عمن حدثه ، ومن حدثه مجهول لا يعرف .

فالخبر ضعيف لا يصح .

الحديث السادس:(مِصْرُ أَطْيَبُ الأَرَضِينَ تُرَابًا ، وَعَجَمُهَا أَكْرَمُ الْعَجَمِ أَنْسَابًا).لا أصل له ، قال السخاوي : ” قال شيخنا – يعني ابن حجر – : لا أعرفه مرفوعا، وإنما يذكر معناه عن عمرو بن العاص “.انتهى من “المقاصد الحسنة” (ص/ 609) .[ جملة من الأحاديث الواردة في بلاد مصر]

(المسألة الثانية): معلومات عن مصر – غير ما سبق –

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو أهل مصر للإسلام:

كتبَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في سنة سبع من الْهِجْرَة، إلى الْمُقَوْقِسِ، عَظِيم القبط، يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام، وبعثَ الرسالةَ مَعَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وهذا نصها: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: من محمد بن عبد اللَّهِ إِلَى الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ القِبطِ و(يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(آل عمران: 64)

(عيون الأثرـ لابن سيد الناس ـ جـ2صـ332)

حوار حاطب مع المقوقس:

خَرَجَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بكِتَابِ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ بالإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَأعطَاه كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .وَقَالَ حَاطِبٌ لِلْمُقَوْقِسِ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَكَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ الرَّبُّ الأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى، فَانْتَقَمَ بِهِ ثُمَّ انْتَقَمَ مِنْهُ، وَاعْتَبِرْ بِغَيْرِكَ وَلا يُعْتَبَرُ بِكَ. قَالَ: هَاتْ، قَالَ: إِنَّ لَنَا دِينًا لَنْ نَدَعَهُ إِلَّا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ الإِسْلامُ الْكَافِي بِهِ اللَّهُ، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا النَّاسَ فَكَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، وَأَعْدَاهُمْ لَهُ يَهُودُ، وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ النَّصَارَى، وَلَعَمْرِي ما بشارة موسى بعيسى بن مَرْيَمَ إِلَّا كَبِشَارَةِ عِيسَى بِمُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا دُعَاؤُنَا إِيَّاكَ إِلَى الْقُرْآنِ إِلَّا كَدُعَائِكَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ إِلَى الإِنْجِيلِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ أَدْرَكَ قَوْمًا فَهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ، فَالْحَقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَأَنْتَ مِمَّنْ أَدْرَكَ هَذَا النَّبِيَّ، وَلَسْنَا نَنْهَاكَ عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ، وَلَكِنَّا نأمرك به، فَقَالَ الْمُقَوْقِسُ: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ هَذَا النَّبِيِّ فَوَجَدْتُهُ لا يَأْمُرُ بِمَزْهُودٍ فِيهِ، وَلا يَنْهَى إِلَّا عَنْ مَرْغُوبٍ عَنْهُ، وَلَمْ أَجِدْهُ بِالسَّاحِرِ الضَّالِّ، وَلا الْكَاهِنِ الْكَاذِبِ، وَوَجَدْتُ معه آلة النبوة بإخراج الخبيء، والأخبار بالنجوى، وسأنظر. وأخذ كتاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَهُ فِي حُقٍّ (وعاء صغير) مِنْ عَاجٍ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَدَفَعَهُ إِلَى جاريةٍ له.

(عيون الأثرـ لابن سيد الناس ـ جـ2صـ332)

رد المقوقس على رسالة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

دَعَا الْمُقَوْقِسُ كَاتِبًا لَهُ يَكتبُ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَكتب إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسالةً،هذا نصها:

“بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، سَلامٌ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ، وَبَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجَارِيَتَيْنِ،لهُمَا مَكَانٌ فِي الْقِبْطِ عَظِيمٍ، وَبِكِسْوَةٍ، وَأَهْدَيْتُ لَكَ بَغْلَةً لِتَرْكَبَهَا، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ. (عيون الأثرـ لابن سيد الناس ـ جـ2صـ333)

أنبياء وُلِدوا في مصر:

موسى وهارون ويُوشع بن نون، صلى اللهُ عليهم وسلم. (فضائل مصر ـ للحسن بن زولاق صـ13)

أنبياء سكنوا مصر:

إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف ،وعيسى ابن مريم، صلى اللهُ عليهم وسلم. (فضائل مصر ـ للحسن بن زولاق صـ13)

مصريون صالحون :

عَمُرَتْ مصرُ بالكثيرِ مِن أولياء الله الصالحين، ومنهم:

  1. ذو القرنين:

قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا  * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) (الكهف84:83)

  1. مؤمن آل فرعون:

قال سُبحانه وتعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا)(غافر29:28)

  1. الخضِر:

قال جَلَّ شأنه عن موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفتَاه: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا *قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) (الكهف70:65)

قال الإمامُ ابنُ كثير(رحمه الله) قَوْلُهُ تعالى (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) وَهَذَا هُوَ الْخَضِرُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ. (تفسير ابن كثير جـ9صـ163)

  1. سحرة فرعون:

قال سُبحانه عنهم: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه73:70) قَالَ كَعْبُ الأحْبَار: كَانَ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا.(تفسير ابن أبي حاتم جـ8 ـ صـ2762)

مصريات صالحات:

عَمُرَتْ مصرُ بالكثيرِ مِن الصالحات، ومنهن:

  1. سارة زوجة إبراهيم وهاجر أم إسماعيل :

روى الشيخانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللهِ، قَوْلُهُ:(إِنِّي سَقِيمٌ)، وَقَوْلُهُ:(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ، فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ،إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ، أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِيَ بِهَا فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ. قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ(مَا الْخَبَرُ)؟قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ،

وَأَخْدَمَ خَادِمًا” قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.(البخاري حديث: 3358 /مسلم حديث: 2371)

  1. آسية بنت مزاحم (زوجة فرعون):

قال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (التحريم:11)

  1. مريم بنت عمران:

قال سُبحانه: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:42)

وقال جَلَّ شأنه: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم:12)

روى الترمذيُّ عَنْ أَنَسِ بنِ مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ.(حديث صحيح)(صحيح الترمذي للألباني حديث:3053)

  1. ماشطة بنت فرعون :

روى أبو يَعلى الموصِلي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِرَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ:هَذِهِ مَاشِطَةُ بِنْتِ فِرْعَوْنَ كَانَتْ تُمَشِّطُهَا فَوَقَعَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ. قَالَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ. قَالَتْ: أَقُولُ لَهُ إِذًا. قَالَتْ: قُولِي لَهُ. قَالَ لَهَا: أَوَلَكِ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَتْ: رَبِّي وَرَبُّكَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: فَأُحْمِيَ لَهَا بَقَرَةٌ مِنْ  نُحَاسٍ فَقَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي. قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا لِمَا لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ، فَأَلْقَى وَلَدَهَا فِي الْبَقَرَةِ وَاحِدًا وَاحِدًا، فَكَانَ آخِرَهُمْ صَبِيٌّ فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهِ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. (إسناده صحيح)(مسند أبي يعلى بتحقيق حسين أسد حديث:2517)

  1. أم موسى:

قال اللهُ تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *  فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (القصص:8:7)

  1. مارية المصرية وأختها سيرين:أَهْدَى الْمُقَوْقِسُ، حاكِمُ مِصرَ، لِلنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّ إبْرَاهِيمَ الْقِبْطِيّةَ وَاسْمُهَا: مَارِيَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ وَأُخْتَهَا مَعَهَا، وَاسْمُهَا سِيرِينُ، وَهِيَ أُمّ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَغُلَامًا اسْمُهُ مَأْبُورُ وَبَغْلَةً اسْمهَا دُلْدُلُ وَكُسْوَةً وَقَدَحًا مِنْ قَوَارِيرَ كَانَ يَشْرَبُ فِيهِ النّبِيّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (الروض الأُنُف للسهيلي جـ4صـ390)

فتح المسلمين لمصر:

كانَ فتحُ المسلمين لمصر سَنَةَ عِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ. فقد بَعَثَ الخليفةُ الراشدُ، عُمَرُ بْنُ الخطاب، عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لفتح مِصْرَ، ثُمَّ لحِقَه الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَبُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى بَابِ مِصْرَ، فَلَقِيَهُمْ أَبُو مَرْيَمَ رَاهِبُ مِصْرَ، وَمَعَهُ الْأُسْقُفُ أَبُو مَرْيَامَ، بَعَثَهُ الْمُقَوْقِسُ صَاحِبُ إِسْكَنْدَرِيَّةَ لِمَنْعِ بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا تَصَافُّوا قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لَا تَعْجَلُوا حَتَّى نُعْذِرَ إِلَيْكُمْ، لِيَبْرُزْ إِلَيَّ أَبُو مَرْيَمَ وَأَبُو مَرْيَامَ رَاهِبَا هَذِهِ الْبِلَادِ، فَبَرَزَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنْتُمَا رَاهِبَا هَذِهِ الْبِلَادِ فَاسْمَعَا:إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْحَقِّ، وَأَمَرَهُ بِهِ، وَأَمَرَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَدَّى إِلَيْنَا كُلَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ مَضَى وَتَرَكَنَا عَلَى الْوَاضِحَةِ، وَكَانَ مِمَّا أَمَرَنَا بِهِ الْإِعْذَارُ إِلَى النَّاسِ، فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَجَابَنَا إِلَيْهِ فَمِثْلُنَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْنَا عَرَضْنَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ وَبَذَلْنَا لَهُ الْمَنَعَةَ، وَقَدْ أَعْلَمَنَا أَنَّا مُفْتَتِحُوكُمْ، وَأَوْصَانَا بِكُمْ؛ حِفْظًا لِرَحِمِنَا مِنْكُمْ، وَأَنَّ لَكُمْ إِنْ أَجَبْتُمُونَا بِذَلِكَ ذِمَّةً إِلَى ذِمَّةٍ، وَمِمَّا عَهِدَ إِلَيْنَا أَمِيرُنَا: اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِيِّينَ خَيْرًا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْصَانَا بِالْقِبْطِيِّينَ خَيْرًا؛ لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَذِمَّةً. فَقَالُوا: قَرَابَةٌ بَعِيدَةٌ لَا يَصِلُ مِثْلَهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ، مَعْرُوفَةٌ شَرِيفَةٌ، مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، أَمِّنَّا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكَ. فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ مِثْلِي لَا يُخْدَعُ، وَلَكِنِّي أُؤَجِّلُكُمَا ثَلَاثًا لِتَنْظُرُوا وَلِتُنَاظِرَا قَوْمَكُمَا، وَإِلَّا نَاجَزْتُكُمْ. قَالَا: زِدْنَا. فَزَادَهُمْ يَوْمًا، فَقَالَا: زِدْنَا، فَزَادَهُمْ يَوْمًا، فَرَجَعَا إِلَى الْمُقَوْقِسِ فَأَبَى أَرْطَبُونُ (قائد جيوش الروم) أَنْ يُجِيبَهُمَا وَأَمَرَ بِمُنَاهَدَتِهِم ْ(أيْ بمقاتلتهم)، وَقَالَ لِأَهْلِ مِصْرَ: أَمَّا نَحْنُ فَسَنَجْتَهِدُ أَنْ نَدْفَعَ عَنْكُمْ وَلَا نَرْجِعَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ بَقِيَتْ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ. وَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُبَيِّتُوا (أي يقاتلوا) الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ: مَا تُقَاتِلُونَ مِنْ قَوْمٍ قَتَلُوا كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَلَبُوهُمْ عَلَى بِلَادِهِمْ؟! فَأَلَحَّ الْأَرْطَبُونُ فِي أَنْ يُبَيِّتُوا الْمُسْلِمِينَ، فَفَعَلُوا فَلَمْ يَظْفَرُوا بِشَيْءٍ بَلْ قُتِلَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْأَرْطَبُونُ، وَحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ عَيْنَ شَمْسٍ مِنْ مِصْرَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَارْتَقَى الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ عَلَيْهِمْ سُورَ الْبَلَدِ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِذَلِكَ خَرَجُوا إِلَى عَمْرٍو بنِ العَاص مِنَ الْبَابِ الْآخَرِ فَصَالَحُوهُ، وَاخْتَرَقَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْبَلَدَ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ عَمْرٌو بنُ العاص، فَأَمْضَوُا الصُّلْحَ. (تاريخ الطبري جـ4صـ108:107) (البداية والنهاية لابن كثير جـ7صـ 100).

معاهدة الصلح مع المصريين :

معاهدة الصلح مع المصريين :كَتَبَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ كِتَابَ أَمَانٍ للمصريين، قالَ فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَهْلَ مِصْرَ مِنَ الْأَمَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَصُلُبِهِمْ، وَبَرِّهِمْ وَبَحْرِهِمْ، لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُنْتَقَصُ، وَلَا يُسَاكِنُهُمُ النُّوبَةُ (أي أهل صعيد مصر)، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الصُّلْحِ، وَانْتَهَتْ زِيَادَةُ نَهْرِهِمْ، خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ درهم، وَعَلَيْهِمْ مَا جَنَى لُصُوصُهُم، فَإِنْ أَبَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُجِيبَ، رُفِعَ عَنْهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ بِقَدْرِهِمْ، وَذِمَّتُنَا مِمَّنْ أَبَى بَرِيئَةٌ، وَإِنْ نَقَصَ نَهْرُهُمْ مِنْ غَايَتِهِ إِذَا انْتَهَى، رُفِعَ عَنْهُمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ دَخَلَ فِي صُلْحِهِمْ مِنَ الرُّومِ وَالنُّوبَةِ (أي أهل صعيد مصر)، فَلَهُ مِثْلُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى وَاخْتَارَ الذَّهَابَ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ أَوْ يَخْرُجَ مِنْ سُلْطَانِنَا، عَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، فِي كُلِّ ثُلُثِ جِبَايَةُ ثُلُثِ مَا عَلَيْهِمْ، عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَهْدُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ وَذِمَّةُ الْخَلِيفَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذِمَمُ الْمُؤْمِنِينَ. وَعَلَى النُّوبَةِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا أَنْ يُعِينُوا بِكَذَا وَكَذَا رَأْسًا، وَكَذَا وَكَذَا فَرَسًا، عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوا، وَلَا يَمْنَعُوا مِنْ تِجَارَةٍ صَادِرَةٍ وَلَا وَارِدَةٍ. فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ مِصْرَ كُلُّهُمْ، وَقَبِلُوا الصُّلْحَ، وَاجْتَمَعَتِ الْخُيُولُ بِمِصْرَ، وَعَمَّرُوا الْفُسْطَاطَ، وَظَهَرَ أَبُو مَرْيَمَ وَأَبُو مَرْيَامَ فَكَلَّمَا عَمْرًا فِي السَّبَايَا الَّتِي أُصِيبَتْ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ، فَأَبَى عَمْرٌو أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ،

أَمَرَهُ أَنْ يُخَيِّرُوا مَنْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْيِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَمَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ فَلَا يَرُدُّوهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنِ اخْتَارَهُمْ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ وَأَخَذُوا مِنْهُ الْجِزْيَةَ، وَأَمَّا مَا تَفَرَّقَ مِنْ سَبْيِهِمْ فِي الْبِلَادِ وَوَصَلَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مَا يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ. فَفَعَلَ عَمْرو بنُ العاص مَا أَمَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَجَمَعَ السَّبَايَا وَعَرَضُوهُمْ وَخَيَّرُوهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَادَ إِلَى دِينِهِ، وَانْعَقَدَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ. (تاريخ الطبري جـ4صـ109) (البداية والنهاية لابن كثير جـ7صـ101:100)

فتح الإسكندرية:

أَرْسَلَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، جَيْشًا إِلَى إِسْكَنْدَرِيَّةَ – َكَانَ الْمُقَوْقِسُ صَاحِبُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ يُؤَدِّي خَرَاجَ بَلَدِهِ وَبَلَدِ مِصْرَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ- فَلَمَّا حَاصَرَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَمَعَ أَسَاقِفَتَهُ وَأَكَابِرَ دَوْلَتِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَرَبَ غَلَبُوا كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَأَزَالُوهُمْ عَنْ مُلْكِهِمْ، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ نُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ أُؤَدِّي الْخَرَاجَ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْكُمْ؛ فَارِسَ وَالرُّومِ. ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَبَعَثَ عَمْرٌو بِالْفَتْحِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (البداية والنهاية لابن كثير جـ7صـ101).

وفاء المسلمين للمقوقس :لما سَارَ عَمْرُو بْنُ العَاص إلى مصر، نزل على مدينة بلبيس، ففتحَها اللهُ تعالى على المسلمين، وأُسِرَ من القبط خلقٌ كثيرٌ، وكان في الأسرى أرمانوسة، ابنة المقوقس،عظيم القبط. كانَ المقوقس زوّجَ ابنته أرمانوسة من قسطنطين بن هرقل، وجهزها بأموالها وجواريها وغلمانها لتسير إليه، فخرجت أرمانوسة إلى زوجها في مدينة قَيْسَارِية بفلسطين، وفي أثناء الطريق وصلت إلى مدينة بلبيس، فوقعت في الأسْرِ هي ومن معها. فقال عمرو بن العاص لأصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن اللهَ سُبحانه وتعالى قد قال: (هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ)(الرحمن:60) وهذا الملك قد علمتم أنه كاتبَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعث هدية ونحن أحق بمن كافأ عن نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هديته وكان يقبل الهدية ويشكر عليها وقد رأيت أن ننفذ إلى المقوقس ابنته وما أخذنا معها ونحن نتبع سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاستصوبوا رأيه فبعث بها مُكَرَّمَة مع جميع ما معها مع قيس بن سعد رضي الله عنه، فسُرَّ المقوقس بقدوم ابنته.(الخطط للمقريزي جـ1 صـ 340:339)

دخول  أصحاب  نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مصر:

عَدَدُ أصحاب نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين دخلوا مصر،كانوا أكثر مِن ثلاث مائة صحابي، ذَكرَ أسماءهم الإمامُ السيوطي .(حسن المحاضرة للسيوطي جـ1صـ209:132)

خلفاء دخلوا مصر:

دخلَ مصرَ مِن الخلفاء: معاوية بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان،وعمر بن عبد العزيز، ومروان بن محمد، وأبو العباس السفاح، وأبو جعفر المنصور، والمأمون، والمعتصم، والواثق.(فضائل مصر المحروسة ـ لمحمد بن يوسف الكندي صـ5)

مصر بلد الخير :

أثبت التاريخُ أن أهلَ مصر،  بعدَ دخولهم في الإسلام، يقفون بجوار كلِّ مَن يطلبُ منهم المساعدة، فَيُقَدِمُونَ لهم الطعام والشراب والكساء والدواء،روالمسكن،وكل ما يحتاجون،وبدون مقابل.

في خلافة أمير المؤمنين، عُمَر بْن الْخَطَّابِ، وَفِي عَامِ الرَّمَادَةِ، عَمَّ جَدْبٌ أَرْضَ الْحِجَازِ، وَجَاعَ النَّاسُ جُوعًا شَدِيدًا، فكتب أميرُ المؤمنين، عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، وهو بمصر، يطلب منه المساعدة. فكتب إليه عمرو بن العاص: “لعبد الله عمر أمير المؤمنين: أما بعد، فيا لبيك ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعيرٍ(الإبل) أولها عندك وآخرها عندي. والسلام عليك ورحمة الله” فبعث عمرو إليه بعيرٍ عظيمة، فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضًا، فلما قَدِمَتْ على أمير المؤمنين عمر وسَّعَ بها على الناس،فأعطى كلَّ أهل بيتٍ بالمدينة وما حولها بَعيراً بما عليه مِن الطعام

(حسن المحاضرة للسيوطي جـ1صـ124)

خليج أمير المؤمنين في مصر:

كتبَ أميرُ المؤمنين، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، إلى عمرو بن العاص (أمير مصر) يَقْدُمُ عليه هو وجماعة مِن أهل مصر، فقدموا عليه. فقال أمير المؤمنين،عمر: يا عمرو؛ إن اللهَ قد فتحَ على المسلمينَ مصر، وهي كثيرةُ الخير والطعام، وقد أُلْقِيَ في نفسي ـ لما أحببت مِن الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم ـ أن أحفرَ خليجًا مِن نيلها حتى يسيل في البحر (وهو البحر الأحمر)، فهو أسهل لما نريد مِن حمل الطعام إلى المدينة ومكة؛ فإن حمله على الظهر يَبْعدُ ولا نبلغ معه ما نريد؛ فانْطَلِقْ أنتَ وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم. فقامَ عمرو بن العاص بحفر خليجٍ من النيل إلى البحر الأحمر؛ فلم يأت عَامٌ حتى فَرَغَ المصريونَ مِن حَفْره، وجرت فيه السفن، فحملَ فيه عمرو بن العاص ما أراد مِن الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع اللهُ تعالى بذلك أهل الحرمين، وسُمي خليج أمير المؤمنين. ثم لم يَزَلْ يُحمل في هذا الخليج، الطعام، حتى حُملَ فيه بعد عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، ثم ضَيَّعَهُ الولاةُ بعد ذلك، فتُركَ وغَلَبَ عليه الرملُ، فانقطع، وصار منتهاه إلى بحيرة التمساح، التي أصبحت الآن جزءاً مِن قناة السويس.(حسن المحاضرة للسيوطي جـ1صـ125)[ ماذا تعرف عن مصر؟]

الصحابة في مصر

هذا وقد سكن مصر بعد فتحها جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشرفت أرض مصر بهم وازدانت، وخالط ترابها أجسادهم الطاهرة، وبعضهم سكنها ومات بغيرها، وبعضهم مَرَّ بها رسولاً أو مجاهدًا، وكان منهم جملة جليلة وعدد كبير عظيم، منهم عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني، وعبد الله بن أبي السرح، ومسلمة بن مخلد، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن حُديج, وكلهم ولي إمرة مصر.

ومن الصحابة في مصر أيضًا: صلة بن الحارث الغفاري، وعبد الله بن حذافة السهمي، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وشهد فتحَ مصر، واختط بها سكنًا، وعاش بها دهرًا، وهو آخر صحابي مات بمصر، وأبو بصرة الغفاري شهد فتح مصر.

وخارجة بن حذافة العدوي، وهو أحد الفرسان الأبطال يُعَدُّ بألف فارس، وأمد به عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو الذي قتلته الخوارج؛ ظنًّا منهم أنه عمرو بن العاص رضي الله عنه.

ورويفع بن ثابت الأنصاري. ودخلها جابر بن عبد الله بن حرام رضي الله عنه؛ طلبًا لسماع حديث عظيم جليل. ودِحية بن خليفة الكلبي، وهو الذي كان ينزل جبريل بصورته، وكان له جمال مفرط. والزبير بن العوام -رضي الله عنه- وقد شهد فتح مصر، وهو معدود من الأبطال الكبار.

وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وشهد فتح مصر، ودخلها غير مرة. وسلمة بن الأكوع وهو فارس شجاع رامٍ مشهور. وسهل بن سعد الساعدي، وقدم مصر بعد الفتح.

وعبادة بن الصامت وهو أحد النقباء، وممن شهد بدرًا، وكان من سادات الصحابة وشهد فتح مصر.

وعبد الله بن أُنيس الجهني، وعبد الله بن حوالة الأزدي وشهد فتح مصر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي السرح وشهد فتح مصر، وعبد الله بن عباس وقد دخل مصر لفتوح إفريقية، وعبد الله بن عمر شهد فتح مصر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وشهد فتح مصر، وعمار بن ياسر دخل مصر رسولاً، وفضالة بن عبيد الأنصاري وشهد فتح مصر، وقيس بن سعد بن عبادة وشهد فتح مصر وسكن بها، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، والمسيب بن حَزْن -والد سعيد- وقد دخل مصر لغزو إفريقية، ومعاوية بن حُديج السَّكوني وشهد فتح مصر، وأبو إمامة الباهلي وسكن مصر مدةً وتوفي بالشام، وأبو أيوب الأنصاري وقد شهد فتح مصر، وأبو الدرداء وقد شهد فتح مصر، وأبو ذر الغفاري وشهد فتح مصر وسكنها مدةً، وأبو هريرة رضي الله عنه.

وقد تخيرت أشهر الصحابة، وإلاّ فقد بلغوا زُهَاء ثلاثمائة وخمسين رضي الله عنهم.

وولد بها خامس الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين عمر بن عبد العزيز، وكان أبوه عبد العزيز بن مروان واليًا عليها، وكان عمر يحب مصر ويثني عليها، وقد قال له سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي قبله في حادثة جرت لفرس مصرية: لا تترك تعصبك لمصر يا أبا حفص.

التابعون في مصر

أما التابعون فقد سكنها جملة عظيمة منهم -رحمهم الله تعالى- فكان منهم أبو الزناد عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (ت 117هـ)، صاحب أبي هريرة -رضي الله عنه- والملازم له.

وحبيب بن الشهيد التجيبي المصري فقيه طرابلس الغرب (ت 109هـ).

وبكير بن عبد الله الأشج المدني الفقيه، نزيل مصر، وهو من ثقات المصريين وقرائهم (ت 122هـ).

ويزيد بن أبي حبيب الأزدي، أبو رجاء المصري، فقيه مصر وشيخها ومفتيها (ت 128هـ)، وكان ثقة كثير الحديث، روى عنه أصحاب الكتب الستة، وكان مفتي أهل مصر، وهو أول من أظهر العلم بمصر والمسائل في الحلال والحرام، وكان أهل مصر قبله إنما يتحدثون في الملاحم والفتن والترغيب، وقال الليث: هو سيِّدنا وعالمنا.

أما تابعو التابعين فمن بعدهم إلى يوم الناس هذا فجملة هائلة .[ فضائل مصر ومزايا أهلها 2-11]

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 –  فيه وصية بأهل مصر والوصية بالخير لكل البلاد مطلوبة، لكنها مطلوبة بدرجة أكبر لأهل مصر؛ لأن لهم عند المسلمين يدا وفضيلة.

2 –  وفيه معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرة، ومنها:

–  إخباره بأن الأمة تكون لها قوة وشوكة بعده، بحيث يقهرون العجم والجبابرة.-  وأنهم يفتحون مصر.-  ومنها تنازع الرجلين في موضع اللبنة.-  ومنها تواجد أبي ذر بمصر، وخروجه منها.وقد وقع كل ذلك، ولله الحمد والمنة، والله أعلم [فتح المنعم]